الأكراد والعلويون حصانا الانتخابات التركية

                         
التصريح الذي أدلى به الرئيس التركى رجب طيب أروغان في مؤتمره الجماهيري بإسطنبول، وترديده مقولة أنه رئيس الأكراد في العديد من لقاءاته الإعلامية، سلط الضوء بقوة على أحد أهم عناصر تحقيق النصر والفوز في الانتخابات التركية سواء الرئاسية أو البرلمانية، فأصوات الأكراد مع أصوات العلويين ستكون، وفق رؤية المراقبين ونتائج استطلاعات الرأي، الفيصل في حسم النتائج النهائية لتلك الانتخابات المصيرية التى ينتظر نتائجها العالم أجمع. 
المشكلة الكردية 
إعلان
يشكل الأكراد الذين لهم الحق في الإدلاء بأصواتهم 18% من إجمالي أصوات الناخبين في تركيا، لذا يسعى كل حزب من الأحزاب المتنافسة في الانتخابات إلى استقطابهم، والحصول على أصوات أكبر نسبة منهم، الأمر الذي من شأنه المساهمة في ضمان الفوز بالانتخابات. 
ويختلف تصويت الأكراد في الانتخابات عن باقي مكونات الشعب التركي ، وذلك نظرا للمشكلة الكردية التى تبحث عن حل لها منذ إلغاء معاهدة سيفر التى اعترفت بحق الأكراد في إقامة دولة كردية مستقلة ، وإحلال معاهدة لوزان محلها والتى أسقطت عنهم هذا الحق، وأقرت انضواءهم تحت لواء الجمهورية التركية كأحد مكوناتها العرقية إلى جانب الشركس والأرمن والعرب وغيرهم من القوميات، وهو الأمر الذي يرفضه الأكراد ويعملون منذ ذلك التاريخ على تغييره، مطالبين الدولة التركية بالاعتراف بهويتهم الكردية وبحقهم في ممارسة موروثاتهم الثقافية وعاداتهم الاجتماعية بحرية من دون تدخلات . 
ومابين رفضهم الانخراط في المجتمع التركي ورغبتهم في ممارسة حياتهم وفق هويتهم الكردية، نشبت الكثير من المواجهات بينهم وبين الجيش التركي خصوصا بعد ظهور مقاومة مسلحة تتزعمها منظمة “بي بي كا ” حزب العمال الكردستاني المصنف كمنظمة إرهابية، الأمر الذي كلف الجانبين (الدولة التركية والأكراد) الكثير من الخسائر، وقضى على قرى بأكملها في شرق وجنوب شرق تركيا، بعد أن تم تهجير سكانها وإبعادهم عن أماكن الصراع المسلح خوفا من الدولة على حياتهم. 
إعلان
التطوير والتنمية 
وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة ساهم بشكل كبير في تخفيف حدة التوتر، وفي الحد من المواجهات العسكرية بين الجانبين، بعد أن أخذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ توليه رئاسة الوزراء على عاتقه مهمة التفاوض المباشر مع الأكراد، ومحاولة التقريب بين وجهات النظر، والتوصل إلى حل يرضي الجميع ويؤمن إنهاء تلك المشكلة التى تعيق خطط التنمية والتطوير الهادفة للنهوض الاقتصادي بمناطق الكثافة السكانية الكردية، ويحافظ في الوقت ذاته على وحدة وسلامة أراضي الجمهورية التركية.  
مساعي أردوغان حققت الكثير من النتائج الإيجابية خلال السنوات الماضية، وهو ما انعكس على حياة السكان في تلك المناطق، خصوصا بعدما تم تطهيرها بالكامل من العناصر المسلحة لحزب العمال الكرستاني، وتم إنشاء العديد من المشاريع الاقتصادية التي استفاد السكان منها، وغيرت الكثير من ملامح حياتهم الاقتصادية والاجتماعية، وخففت من حجم معاناتهم السابقة نتيجة نقص الخدمات. 
إعلان
مفاوضات سلام 
الرئيس التركي، وفي إطار إستمرار نهجه الداعم لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأكراد صرح أثناء حملته الانتخابية أنه عقب الانتهاء من الانتخابات سيتم الكشف عن خطط جديدة تستهدف إجراء تغييرات جذرية في مجالات التعليم والأمن والعدالة والصحة في كافة أنحاء تركيا، مؤكدا أن الأكراد وباقي القوميات والطوائف التي تعيش تحت مظلة الدولة التركية ستستفيد من تلك التغييرات. 
فيما كشف إلنور شافيك مستشار الرئيس التركي أنهم سيبدأون عقب الانتخابات مفاوضات سلام جديدة مع الأكراد، وهي المفاوضات التي توقفت بسبب عوامل متباينة، نافيا أن يكون التحالف الانتخابي بين حزبهم وحزب الحركة هو السبب في ذلك. 
إعلان
التصويت لأردوغان 
لذلك ليس من الغريب أن يكون الأكراد في طليعة الداعمين لمرشحي العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب أردوغان، إذ يتوقع العديد من استطلاعات الرأى العام أن يستحوذ الحزب على 50% من الأصوات الكردية في المرحلة الأولى للانتخابات خصوصا بعد إعلان حزب الدعوة الحرة “كردي” والذي يضم الأغلبية الكردية المتدينة دعمه لأردوغان وحزبه، فيما ستذهب أصوات الـ50% الأخرى لصالح حزب الشعوب الديمقراطي الكردي ورئيسه صلاح الدين دميرطاش، بينما أشارت تلك الاستطلاعات إلى صعوبة حصول أي من حزب الشعب الجمهوري وحزب الخير على أية نسبة من أصوات الأكراد، نظرا لمواقفهما السابقة من المسألة الكردية . 
استطلاعات الرأى العام تلك توافقت مع وجهة نظر المحللين السياسيين، الذين أكدوا أن موقف الأكراد الداعم لأردوغان في الاستفتاء الخاص بالتعديلات الدستورية، والذي رجح كفة التصويت بنعم، سيتكرر في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بصورة أكبر، وذلك بعد أن أيقن الأكراد أن العدالة والتنمية هو مفتاح تحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية وتحسين الخدمات في مناطقهم. 
إعلان
إحجام الأكراد عن التصويت لحزب الشعب الجمهوري أرجعه المحللون السياسيون إلى شعورهم بالاستياء من رئيسه كمال كليشدار أوغلو الذي يرون أنه من مهد الطريق أمام رفع الحصانة عن بعض نواب حزب الشعوب الديمقراطي الذين يحاكمون بتهم تتعلق بالإرهاب، فيما برر هؤلاء المحللون صعوبة حصول حزب الخير ومرشحته ميرال أكشنار على أصوات الناخبين الأكراد إلى أن معظم أعضاء الحزب من القوميين الأتراك ، فضلا عن اعتبار مرشحته المسؤولة عن المظالم التي تعرضوا خلال التسعينيات من القرن الماضي حينما كانت وزيرة للداخلية، وهي الفترة التى يعتبرها الأكراد مأساوية . 
العلويون والشعب الجمهوري 
أما على صعيد العلويين الذين يمثلون ثاني أكبر طائفة دينية بعد السُنة في البلاد، بنسبة تصل لحوالي 18 مليون نسمة، وينتشرون في عدد من المناطق شرقي وغربي تركيا، وتختلف معتقداتهم عن معتقدات العلويين في سوريا، فرغم أنهم  يقرأون القرآن مثل باقي المسلمين، فإنهم لايصومون رمضان، ولايصلون الصلوات الخمس، كما أنهم لايصلون في المساجد وإنما في بيوت الجُمع أو غرف الصلاة، حيث تعزف الموسيقي أثناء تأديتهم لصلواتهم التي يقومون بهاعبر حركات دائريه راقصة، وهو ما اعتبره البعض هوية ثقافية أكثر من كونه عبادة دينية . 
إعلان
الأمر الذي جعل المسألة الانتخابية لديهم في العموم تختلف بعض الشئ عن غيرهم من الطوائف والقوميات الأخرى، إذ اعتاد العلويون منذ قيام الجمهورية التركية على التصويت دوما لحزب الشعب الجمهوري في كافة الإستحقاقات الانتخابية، إلا أنه خلال السنوات الماضية غيرت نسبة لابأس بها منهم بوصلتها التصويتية لصالح حزب العدالة والتنمية، الذي سعى إلى طمأنتهم والتقرب إليهم عبر المبادرة التي أطلقها أردوغان عام 2009 حينما كان رئيسا للوزراء تحت شعار “الانفتاح على العلويين” والتي عُقدت في إطارها 7 ورش عمل بمشاركة زعماء علويين واستمرت 6 أشهر كاملة، ناقش فيها المجتمعون كافة مطالب العلويين التي تتمحور حول الاعتراف القانوني بالهوية العلوية وتقنين بيوت الجُمع والمؤسسات العلوية الأخرى، وتعهد أردوغان بالعمل على تحقيق تلك المطالب، مشيرا إلى أن حزبه اتخذ خطوات كبيرة في سبيل دعم حقوق الطوائف وأصحاب المعتقدات المختلفة . 
اختلاف المعادلة 
وفي نهاية 2011 اعتذر أردوغان نيابة عن الدولة التركية عن مجزرة درسيم التي اارتكبت بحق العلويين الظاظا في مدينة درسيم شمال شرقي تركيا، والتي راح ضحيتها أكثر من 14 ألف قتيل وآلاف النازحين، وهى المجزرة التي ارتكبت أثناء وجود حزب الشعب الجمهوري منفردا في السلطة تحت ذريعة تطبيق قانون إعادة التوطين الصادر عام 1934، والذي استهدف تشتيت شمل الأقليات العرقية، وهى المجزرة التي وصفها أردوغان في اعتذاره بأنها “من أكثر المآسي ألما ودموية في تاريخ تركيا الحديث”. 
ورغم أن تقنين بيوت الجُمع لايزال مجرد وعد لم ير النور بعد، فإن تحرك العدالة والتنمية صوب العلويين والتواصل معهم، ومناقشة مطالبهم والالتقاء بزعمائهم، أظهر لهم حسن نواياه تجاههم، واستعداده للعمل من أجل تحقيق مطالبهم، وتلبية آمالهم في أن تتولى رئاسة الشؤون الدينية تغطية تكاليف بيوت الجُمع من ماء وطاقة، الأمر الذي أدى إلى حدوث اختلاف في معادلتهم التصويتية في الاستحقاقات الأخيرة، وقلص من نسب تصويتهم للشعب الجمهوري، لصالح العدالة والتنمية الذى استقطب نسبة لابأس بها منهم لتقوم بالتصويت لصالحه على أمل أن يستكمل مشواره معهم، ويفي بوعوده التي قطعها لهم، وأمامهم الأكراد نموذجا. 
توزيع الأصوات 
مايعني أن أصوات العلويين ستتوزع هذه المرة أيضا، وإن كان بنسب متفاوتة بين حزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري، أما حزب الخير فمن المستبعد حصوله على أية كتلة تصويتية من العلويين، وذلك بسبب عمليات القمع والقتل التى تعرضوا لها على مدى تاريخهم، إلى جانب مقتل المئات منهم عقب انقلاب 1980 على أيدي القوميين، الذين يمثلون معظم قيادات حزب الخير.  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه