ناهد أمام تكتب: الزواج من سوفت وير !

أصبح التطوير الأسهل هو التلاعب بالمشاعر مع أشخاص مستحدثينن وخيانة الشريك، وهو البحر اللجى الذى يخوض فى أو حاله الملايين من كافة الأعمار والتوجهات وحتى درجات من التدين.يتبع

    الكاتبة المصرية / ناهد أمام

ما الذى يمكن أن يعوضه نظام تشغيل ذكى مهما بلغت درجة ذكائه من مشاعر إنسانية حقيقية؟ وما الذى يمكن أن تعنيه معاناة الوحدة إذا كان البديل “سوفت وير” يوهمك أنه يلازمك، يحتويك، وهو يفعل الشئ نفسه ” آليا ” مع عشرات الآلاف  مثلك ممن يقتنون الشاشة نفسها والنظام عينه ؟! ماذا يعنى ذلك كله إذا كانت الحقيقة “im yours  & not yours  ؟!.
لقد أصبح من الصعب التعايش مع أفراد يسلمون قيادهم لجمادات عالية الذكاء، يتوهمون أنهم قد اشتروها، وهى بالفعل التى اشترتهم بأعمارهم وأحاسيسهم وحيواتهم، من الصعب أن تتخيل البشرية وهى تهوى هكذا فى وهم الإفتراضي المشترك والمؤقت والمبرمج فى حالة هى من أخص خصوصيات الإنسان وهي حالة الحب والعلاقة مع شريك؟!

حالة من الدهشة العميقة ستتملك من يشاهد هذا الفيلم، (Her) أو “هى” الذى عرض لأول مرة منذ عامين فى مهرجان نيويورك السينمائي والذى حاز على جوائز عدة، ربما يتفاوت مقدار الدهشة من شخص لآخر، وربما يكون توقع الدهشة مدعاة للسخرية إذا ما تخيلنا أننا قد أصبحنا بالفعل نعيش جزءا من الخيال العلمى

الرومانسي الذى عرضه الفيلم ببراعة، نحن بالفعل نعيش صورته المصغرة؛ ولكن فى شكل دراما سوداء أصبحت تعيشها أغلب البيوتات العربية، حيث انشغل كل فرد داخلها بوسائل التواصل الإجتماعى عن الشركاء الحقيقيين فى الحياة، فاتسعت المسافات بينهم، وهم متلاصقون، وساد الجفاء، وتوجهت كلمات الإطراء.

وتمنى “طلب” الصداقة إلى غرباء،  ولم يعد هناك ممنوعا فكل ما هو غريب مرغوب ومتاح، ومتنوع، كل أشكال الصور والمشاعر والأشخاص والإهتمامات من مشارق الأرض ومغاربها، وبضغطة يسيرة تكبر صورة الفم أو العيون وكل ما تريد رؤية تفاصيله لتبدى “LIKE “، وتترجى الصداقة التى غالبا ما تتطور بحسب حاجتك، ميولك، فراغك، نقاط ضعفك، نقصك، أو حتى تفاهتك. 

وكما نشط وتحمس بطل الفيلم فى تطوير علاقته مع نظام تشغيل ذكى ذو صوت وشخصية أنثوية فى حين تكاسل من قبل وأهمل علاقته مع زوجته فانتهى أمرهما للطلاق، ننشط نحن أيضا فى تطوير علاقات صداقة مع الجنسين فى حين يكون الفشل فى تطوير علاقاتنا بشركائنا أو فى أقل تقدير الحفاظ عليها هو سيد الموقف.

 وقد أصبح التطوير الأسهل هو التلاعب بالمشاعر مع أشخاص مستحدثينن وخيانة الشريك، وخداع النفس، وهو البحر اللجى الذى يخوض فى أوحاله الملايين من كافة الأعمار والمشارب والتوجهات وحتى درجات من التدين، استعدادا للمستقبل الذى سيخوضون فيه فى أوحال أعمق مع علاقات مع أنظمة تشغيل أذكى حينما يسود الزهد بين البشر وقتها تماما فى علاقات حقيقية، كتطور طبيعي للتكنولوجيا فائقة الذكاء.

رجلا كنت أم امرأة ربما تتشابه حالتك مع بطل الفيلم ” ثيودور”، وهو رجلٌ وحيد في المراحل النهائية من طلاقه، يعمل ككاتب رسائل، وغالبا ما يمضي وقت فراغه بلعب ألعاب الفيدي،و أو التسكع مع الأصدقاء في بعض الأحيان.

تستبد الوحدة والإحساس بالعزوبية بثيودور بعد طلاقه من زوجته كاثرين؛ فيقرر شراء نظام التشغيل الجديد OS1 الذي صَدر حديثا وتم الإعلان عنه كأذكى نظام تشغيل صناعي في العالم، وسرعان ما يجد ثيودور نفسه منجذبًا لسامانثا، الصوت المؤنث لنظام OS1.

وبمجرد أن يضع ثيودور السماعة فى أذنه يبدأ بقضاء أوقاتًا ممتعة مع سامنثا التى تساعده بذكائها العالى فى تنظيم حياته المبعثرة، واحتواء مشاعره المعطلة، المكبوتة، ليُكونا علاقة أوثق وأقرب، فيجد كل منهما نفسه واقعا بحب الآخر.

بمجرد أن يضع السماعة يجد من يضاحكه، يقترح عليه أفكارا تبهجه بل ويسخر إمكاناته لتوفيرها بالفعل، وبمجرد أن يضع السماعة يجد من يلقي على مسامعه كلمات الإطراء والإعجاب والتشجيع والحب، يجد من يشاركه الرأى، ووقته، وعاطفته ويحتوى فراغه وخواءه بلا أى مقابل، فقط، ضع السماعة!

 وكما بين البشر، يفاجأ ثيودور بثامنتا تختلف معه فى إحدى المرات، وتنفعل وتتهمه بأنه غريب الأطوار، وأنه يصيبها بالإرباك، تسحب سامنثا فجأة إحساس الإراحة اللذيذ والتواصل السهل غير المكلف ماديا أو عاطفيا الذى كان يشعره معها كلما وضع السماعة، ليبدأ بعدها الوهم الإفتراضي فى التداعى.

فى لقطات موجعة حزينة يظهر ثيودور مذهولا، ضائعا، حينما يتعطل نظام التشغيل فتختفي سامنثا وهو يحاول ويعاود الاتصال بها، تعود هى بعد عودة نظام التشغيل فتبدو الحياة وقد عادت من جديد لثيودور وكأن اللقطة الخاطفة تنبهك لمدى وحشية  التعلق المرضي الذى وقع فيه الرجل، والذى فى حقيقة الأمر قد وقعنا فى أسره جميعا عبر أجهزة الاتصال الذكية التى نحملها جميعا نغدو وننام ونجئ ونروح وهى بأيدينا، فإذا ما تعطلت أو فقدت فقدنا معها جزءا غاليا – كما نتوهم – من حياتنا.

يعيش البطل حالة من الصراع الداخلي بين حبه لسامنثا وشكه فى كونها ملكه هو فقط، أم أن هناك شركاء له فى حبها،  وبين كونه يريد استكمال شكل الحب وحالته ولكن ورطته أنه أحب شخصا ذا طبيعة مختلفة، أو هو ليس له وجود بالمعنى الحقيقي.

لقطة أخرى موجعة، صادمة، حينما يكتشف البطل أن أنثاه السوفت وير ليست متفرغة له وحده، إنها لا تحبه وحده، إنها لا تنظم له حياته وحده، إنها لا تقدم خدماتها له وحده، يكتشف ذلك وهى تكاشفه بصراحة بدون مواربة.

 تصارحه سامنثا أيضا أنها وأخواتها فى أنظمة التشغيل ستختفي لتظهر أنظمة أحدث!
تختفي الحبيبة الوهمية بالفعل، تاركة ثيودور ليعيد حساباته مع نفسه وقد فات الأوان، تغادره فجأة بعد التعلق، وبعد التفرغ، وبعد ضياع الوقت وجزء من عمره، وشريحة ثخينة من عاطفته وأحاسيسه، ومقدار كبير من أحلام سرابية، تتركه مثخنا فى جراح حقيقة ليست عالية الذكاء لكنها فائقة الألم .

يكتشف ثيودور متأخرا أنه أخطا بحق كاثرين، فيرسل لها قائلا :” أرسل لك وأنا أجلس هنا أفكر بكل شئ أريد الاعتذار منك إليه، كل الألم الذي سببناه لبعضنا، كل شئ ألقيت فيه باللوم عليك، كل شئ أردت منك قوله، آسف على هذا، سأظل أحبك دوما لأننا كبرنا معا، ساعدتنى لأصبح ما عليه، أردتك فقط أن تعلمين أنه سيظل جزءا منك بداخلي، وأنا ممتن لذلك، أيا كان الشخص الذى أصبحت عليه الآن، وأيا كان مكانك فى هذا العالم فأنا أرسل لك حبي ، أنت صديقتى حتى النهاية!

فى نهاية الفيلم يدرك البطل أن ” السماعة ” ليست هى الحل ولا النجاة لوحدته وإشباعه العاطفي، يدرك أنه من المستحيل أن تجد شريكا ” سماعة ” تضعها فتجده عند قدميك، وأنه حينما توهم وجود ذلك اكتشف بالنهاية أنه مفقود ووهمى ومشترك مع غيره؛ وليس خالصا له وحده، أدرك ثيودور الذى كان يرجو أن تكون شريكته كاثرين ” دوما ” مشرقة، سعيدة ، متزنة، وكان يطالبها بتعاطى أدوية تعالج الإكتئاب، كان يريد أن تكون له زوجة بدون خوض تحديات، أدرك أن ذلك لا يصلح فى دنيا البشر، وأنهم ليسوا زرا يتغير بضغطة، أو يستجلب بـ” رنة “، وأن تطوير العلاقات الإنسانية أصعب بكثير من العلاقات الإلكترونية لكنه الأدوم والأصدق.

بعد فوات الأوان، يدرك البطل أن جمال العلاقات فى أن نكبر معا، وأن نتساند معا، وأن نتصارح، وأنه ليس هناك مثال ينبغي أن يكون عليه شركاؤنا وفق تصوراتنا، يدرك بعد فوات الأوان أنه كان يطلب المستحيل من شريكته فأصبح يعيش عذاب الذكريات، ومنى بخسارة فادحة كان يمكن تفاديها بقليل من التفهم والتحمل ومزيد من الحب والصداقة.

إن حجم وكيف الخسارة التى انتهى إليها بطل الفيلم تشبه كثيرا خساراتنا الفادحة التى سببها انقيادنا لأجهزة التواصل الذكية التى غالبا لا ندرك حجم فداحتها تلك إلا بعد خوض تجارب الخسارة كاملة، حتى إذا أخرجنا قلوبنا لم نكد نراها، سندرك حتما حينها ولات حين مندم. 

ناهد إمام
كاتبة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان