سارة جمال تكتب: صديقتي لا تشبهني

يوما بعد يوم تغير لون مياه الحوض حولي، وبدأت اشعر بالاختناق، أرى بصعوبة وكأن غمامة على عيني. وكان علىَ الاختيار بين المكوث في مكاني أو الخروج.. يتبع

 سارة جمال

أنت كالسمكة إن خرجت من الماء ماتت. والماء بالنسبة لك هم الناس، فلا تستطيعين العيش بدونهم، معهم وبهم تكون الحياة”.
هكذا وصفتني أستاذتي يوما، وهي تحضنني وتبتسم، فهي تعلم قيمة الأصدقاء بالنسبة لي، بل الناس جميعا.
فأنا من صغرى أحب جميع من حولي، فكنت أنتظر بشغف التجمعات العائلية، والرحلات الترفيهية التي كان أبي ينظمها في عمله بهيئة المحطات المائية.
كما أذكر أصدقاء المدرسة وكيف كنت حريصة على التعرف عليهم جميعا والتقرب منهم واللعب معهم برغم اختلافهم عني في كثير من الأمور.
كان شعاري في تلك المرحلة من عمري: صديقتي ليست واحدة بل الجميع أصدقائي.
كبرت وتغيرت نظرتي، بدأت أنتقي وأختار، بدأت أفكر وأتأمل ولا أتسرع في حكمي على الآخرين من حولي.
هذه مناسبة، وهذه لا، أما هذه فيجب أن اتجنب حتى النظر اليها.
قل عدد زميلاتي في المدرسة وما عاد يلتف حولي الكثير كما كان من قبل، وكان شعاري حينها: صديقتي تشبهني.
وأصبحت أبحث عن صفاتي في الناس، كنت أعود للبيت سعيدة إذا وجدت واحدة مثلى عاطفية وحساسة، وقد ظننت أنها هي التي أبحث عنها.
لم أكن أعلم أن تشابهنا ليس هو الحل، بل ربما يكون سببا في عدم استمرار علاقتنا. وبالفعل لم تدم تلك الصداقة إلا أشهرا قليلة وكانت خلافتنا كثيرة، ففي الوقت الذي أحدثها بعاطفتي وتدمع عيني، كانت هي ترد بعاطفة أكثر وتجهش بالبكاء!
إلا أن هذا الشعار سرعان ما ثبتت صحته عندي، فقد تعرفت على مجموعة في الكلية وكانوا مثلى، تجمعنا الدعوة وحب الله ورسوله.

 

اقتربت منهم وأحببتهم، وتيقنت حينها أن ما حدث كان مجرد استثناء، وظل هذا شعاري مدة طويلة من عمري.
وكأنني أحمل مكبر صورة (كالمفتش كولومبو) وأبحث عن كل من يشبهونني، كي أظل في الماء وأعيش.
وأصبح البحث هو الهدف وليس الوسيلة، مكثت أبحث وأبحث ومن أجده آخذه لأضعه في سلة قلبي، حتى شعرت أنه امتلأ !!
ولكن لحظة، لم اشعر بالحياة، فليست الصداقة مع من يشبهوننا إذن!
كان علىَ البدء من جديد، ولا داعي لمسح البيانات الداخلية، فقد كان هناك أصدقاء يستحقون الوفاء والحب مهما باعدت بيننا الظروف والمسافات، أصدقاء بحق.
ولأنني لم أعرف كيف سأختار، وبعد أن تركت بلدى أصبح الاختيار أصعب بل يكاد يكون مستحيلا بالنسبة لي، قررت أن أكتفي بحوض صغير أعيش فيه بدل البحر الواسع الذي كنت أحيا في أعماقه.
فكانت ذكرياتي مع الأصدقاء، هي ما عشت عليه، اجتماعنا وشرب النسكافيه باللبن فقط من دون ماء كما تعودت أن أتناوله معهم، ساندويتشات الفول والطعمية من مطعم نور، والكشري والرنجة، ونادى دريم، والإسكندرية.
ظللت أتذكر مواقفهم معي، وأغمض عيني كي أرى ابتسامتهم في وجهي، وكنت كثيرا ما أسمع كلامهم بالقرب من أذني وكأنه حقيقة وليس خيالا.
يوما بعد يوم تغير لون مياه الحوض حولي، وبدأت أشعر بالاختناق، وبدأت أرى بصعوبة وكأن غمامة على عيني لا يمكنني إزالتها.
فكان علىَ الاختيار بين المكوث في مكاني حتى تنتهي حياتي، أو محاولة الخروج وتحمل تبعات ذلك.
لم يدم التفكير كثيرا وقررت أن أخرج وأبحث من جديد، ولا حاجة لأدوات تساعدني في رحلتي، فالأمر سهل مقارنة بما كنت عليه من قبل.
تعرفت على من تشبهني وآخريات لا يشبهنني، ووجدت أن الآخريات وبمرور الوقت أصبحن أقرب لقلبي.
كان حديثنا مختلفا، ولم أجد مساحات مشتركة بيننا كثيرة كما تعودت أن تكون العلاقات قائمة، ولكننا أصبحنا أصدقاء.
عرفت حينها أن الصديق ليس بالعشرة وطول المعرفة، الصديق بالمواقف التي لا يمكن نسيانها، حتى إن كنت تعرفه من ساعة.
عرفت أن صديقتي … لا تشبهني.

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان