سماح إبراهيم تكتب: ثورة علي السماء ومن فيها!

لماذا لا تتدخل إرادة السماء لإيقاف بطش وتنكيل هؤلاء؟، و لماذا لا تؤاخذهم بما يستحقون؟ .. حتى متى ستعلو ترانيم الباطل لتفوح ظلماً وفجوراً أمام جثامين شباب صادق محب لوطنه؟ يتبع

نعم .. فعلتها يوم بلغ اليأس ذروته في قلبي، ولا أعلم من قادني لفكرة ملحدة كهذه، أهو شيطاني أم أنها الأمور من حولنا تقودنا للاعتراض أمام  مظالم الأرض المفعمة.

بدأ الجدل الروحي بهذا السؤال: لماذا لا تتدخل إرادة السماء لإيقاف بطش وتنكيل هؤلاء؟، و لماذا لا تؤاخذهم بما يستحقون؟ .. حتى متى ستعلو ترانيم الباطل لتفوح ظلماً وفجوراً أمام جثامين شباب صادق محب لوطنه؟، إن لم يكن الآن فمتى؟! ألم يأن  استخدام الله لصفاته العليا ليري الظالمين  كيف يكون البطش!

متي ستأتي الإفاقة؟! بعد أن يموت أفاضل الأرض لغطرسة وغباء الجماعات النظامية والمعارضة معاً ! أم أنها ضريبة التجنيد بحرب الإصلاح التي أمرنا بالمشاركة فيها رجالا ونساءً لدحض الباطل مثلما فعل آخرون من قبلنا!

اعتدلت من نومتي بعد أن استوطنت فكرة  ثورية بعقلي، وبدأت الأفكار في الانتقال من حيز العقل إلى النطق بها، ولأن الجن والإنس شاركا في إعمار الأرض، إذن فلنتحد جميعاً ونعلنها ثورة علي السماء للوقوف علي أسباب عدم استجابتها لنا، ظلت الأفكار بعقلي عالقة حتي مال جسدي لفراش بلاط المعتقل، وعقلي مستمر في تفكيره العشوائي عن ثورة في السماء، من سيقودها وما المطالب التي سنرفعها وما إلى ذلك.  

 صوت بعقلي كان  يضحك ساخراً يكفيكي إحداث ضجة إن أردتِ .. لم استجب وسمحت لعقلي بإطلاق العنان، حتي غلبني النوم، أفكر عن  صاحب الدعوة  والرسالة  وأين هو منا؟!
أيعلم بما تمر به بلدان العرب، لربما هو الآخر شارك معنا بالثورة، بالطبع سيعطي لها ثقل، فهو عند الله بمكان، لتكن القيادة والتوسط عند الله إن اراد لعله يزيل عنا ما نحن فيه، فلتدع لثورتنا بالحياة  طالما أصواتنا لم تتطهر من ذنوبنا، قبضة بقلبي وكأن أحد خطف مني شيئا وهرب به بعيداً، فزعت وأنا بين الحلم واليقظة أردد: هناك من خطف شيئا من قلبي وذهب .. ماذا حدث بقلبي؟! وماذا فعل الله به؟ صوت بداخلي مطمئن دعاني للنوم.

كانت ساعات نومي محدودة قبل اعتقالي، عملي يبدأ منذ الصباح، بنفس التفاصيل أتعامل يومياً مع الأشياء:  ألملم أوراقي .. مصروف يومي .. أتفحص جهاز العمل بحقيبتي، ثم اخرج لتغطية الفعاليات الثورية والمؤاتمرات من صباح اليوم حتى مسائه، متى رجعت وجدت عائلتي بنفس جمعهم يلتفون بوسط المنزل بانتظاري محاولين إشباكي بأحاديثهم الفارغة منها والجاد، وتعريفي بأهم أخبار فلان ابن فلان، كنت اكتفي بسماعهم وكثيراً ما كنت أغرق بأحلامي على أصوات الثرثرة.

أحب مهنتي واتعلق بها، كنت أبحث عن الأِشياء التي افعلها بكل يوم والتي افتقدتها جميعها بفترة احتجازي بقسم الأميرية! ولم أعرفني وأنا خلف القضبان، فلم تصوغ لي مخيلتي أن أكون من أصحاب السوابق ولو لنصف ساعة، أين هيئتي الصحفية التي اعتدت عليها بشكل يومي أناديهم: افتحوا لي ..  لست متهمة و مكاني ليس بظلامكم، حتي خمد جسدي ويأس واستسلم للقهر النظامي، وقتها قرر عقلي الهروب فلم يعد يفرق بين أوقات اليقظة و النوم،  الأحلام تبدو بعيني واقعاً مريحاً حيث أذهب فيها  كيفما شئت بلا جدران تمنعني، أما الواقع فقد تنازلت عنه لغيري .. لم يعد سوى كابوساً مزعجاً مقيداً للجسد والعقل.

قمت ذات يوم وأنا أضرب برجلي الأرض باكية، يحاول من حولي تهدئتي بشتى الطرق ولا التفت لأي منهم، أعطتني إحداهن مصحفاً وطلبت مني القراءة، كانت الكهف، بكل آية أقرؤها أرد عليها بعتاب متأدب: ليه! هو احنا عملنا ايه!

سحبت مني المصحف واغلقته، وطالبتني بالهدوء .. لمن تتحدثين هل رأيت حلماً مزعجاً .. امسكي بقلم وورقة واكتبي لمن تحبين التحدث إليه!

معاندة جسدية وغفوة مرضية استمرت قرابة شهرين .. صيام عن الحديث إلا لضرورة ملحة، حتى يوم ترحيلنا لسجن القناطر شعرت هناك  بإفاقة راشدة وعقل مؤقن بأن التدخل السماوي يحدث بالفعل دون علم منا بمعرفة الخطوات والتفاصيل الغبية، القرآن وحده من يطلعنا على أخبار السماء وآلية استقبالها لما يجري بالأرض بروايات وشواهد لأنباء وقصص متشابهة، أحكام وأقوال وتعريفات حديثة لا تتغير إلا بقيام الساعة، فلتبتلع الأرض الخارصين والظالمين ممن يهدم مساجد الله بوضح النهار، ويسب الأديان بدعوى حفظ الأمان طالما عجزنا عن الدفاع.

كان ظني بأن استدعاء الهلاك لن ينال إلا بهؤلاء، أما ” أنا ” كصفحة بيضاء، لم ألتفت بتمعن لمعائب بي لم يكشفها  إلا ميكروسكوب الفتن حيث تقترب الحقائق وتتعاظم الأقوال والأفعال التي كانت بعيني “عابرة ” وتتصاعد أخطاء بحق آخرين لم اهتم بمردود تأثيرها عليهم، وماذا عن حركة عمل أهلكتني دون أن أنهل منها لزادي ما يكفيني بالآخرة؟ ولأن  المراجعة الذاتية ثقيلة علي النفس كضيف ثقيل  كان لابد من وقوع الابتلاءات.

قمت بمراجعة سطور صحفية كانت تحتاج لمزيد من الإتقان والتدقيق، لم أصب أحيانا في اختيار النقل الخبري، سطور وعناوين تجنبها  كان هو الأفضل، فمهمة الصحفي هو اختيار الخبر ومعالجته بما يتناسب مع المبادىء والأخلاقيات وغض الطرف عن الوسائل الرخيصة  لجذب القارىء”، فكم من موضوعات خبرية تتصدر مانشتات الصحف بها من القذف والسب السياسي والابتذال الأخلاقي ما بها، وكم من المطبوعات السخيفة التي لا أثر فيها لتحليل خبري عميق أو أطروحات سياسية مقدمة.

 النفاق والحشو الإخباري والنقل بجهل وسياسات التحرير المسخرة لإرضاء مصالح حزبية، لابد لها من توجيه صحفي صادق فاضح  لكوارث ومفاسد نظامية مسكوت عنها ، أما عن النتائج فهي بالفعل مبهرة , فقد تمتلك عزيزي الصحفي زيا مكتوبا عليه باللون الأزرق ” نزيل” بطرة أو لتصارع أعصابك بعضها البعض حتي الموت، أو لتتحدى كل هذه الصعوبات وتحاربهم وحدك بقلمك.

كانت السماء تتحدث بلغة الخير بمنتصف أبريل/نيسان 2014 م، بمطر منهمر ورعد، كطفلة مبتهجة وقفت أمام شباك حديدي فتح على السماء بسجن القناطر، استقبلت قطرات السماء وقربتها نحوي، شعرت بأن هناك من يعطيني سيفاً ويقربه نحوي، ضحكت وظننت عقلي يلاعبني  أمسكت به.. فثقلت يدي ثم رفعته إلى السماء قائلة :.. فلتحارب أنت!

نعم سيوف قاطعة، سيوف الدعاء التي لا يراها هؤلاء ولا يشعرون بثقلها ولكنها تحارب بقوتها غير المرئية، لم تنقطع  التقارير التي أرسلها للسماء لإخبار الله عما يدور من حولنا – وهو المحيط بنا جميعاً، أتلو بقراءة ناقدة متهكمة ما تبثه الصحف من سموم و كذب وتهويل، لأسماء .. صحافة تسعي لتحقق رواجاً بسوق صحافتها “الصفراء”، وأتساءل: ماذا أعد الله لهؤلاء المدلسين؟

سماح إبراهيم

صحافية مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان