نادية أبو المجد تكتب: لسه السعادة ممكنة

كلنا نحب أولادنا وأنفسنا. لكن كيف نكون سعداء قدر المستطاع، وبعيدا عن النكد، سواء كنا متزوجين أو غير متزوجين، كان هذا قرارنا. فالسعادة هي الرضا بأقدارنا.يتبع

 الإعلامية المصرية / نادية أبو المجد

يُثار من وقت لآخر أن المصريات يتميزن بالنكد، ويستند من يروجون لتلك الأقاويل إلى ما يشيعون أنه أبحاث منشورة. وبعيدا عن مدى كون هذه الأبحاث صحيحة من عدمه، وبعيدا عن الغضب أو السخرية. خطر ببالي عدد من الأسئلة: لماذا يتفوق أي إنسان في النكد؟ وهل السيدة النكدية المقصود بها الزوجة أم المطلقة أم تلك التي لم تتزوج؟

تميل  كثير من الزوجات المصريات إلى الشكوى من الأزواج ومسئوليات الزواج والأولاد، ونادرا ما يتحدثن عن الإيجابيات أو باعتبار تلك نعم من الله، رغم الأعباء والصعوبات والمشاكل التي هي جزء من صميم الحياة.
يعتقد البعض أن الشكوى تبعد الحسد، وربما أصبحت روتينا، وكثيرات لسن سعيدات فعلا لأسباب كثيرة منها إساءة الاختيار أو سوء معاملة الزوج، وأحيانا عدم فهم الزواج أو طبيعة الزوج المختلفة عن طبيعة المرأة، أو الاعتقاد أن الزواج عبارة عن حفل زفاف وشهر عسل دائم.

في هذا الشهر يمر 20 عاما على زواجي السريع بعد قصة حب جامحة، وهو زواج لم يستمر طويلا؛ ولكنه أعطاني أجمل هدية هي ابني الوحيد الذي التحق بالجامعة مؤخراً.

لن أحتفل بذكرى وذكريات زواج، لكن عندي أسبابا كثيرة للاحتفاء بنجاح الطلاق، وهو مثل نجاح الزواج يحتاج مجهودا كبيرا، وعملا متواصلا.

الطلاق تجربة مؤلمة جدا تشبه الموت. فهو يقتل أشياء فينا؛ رغم الحزن والألم اتخذت قرارا بالسعادة. أنا أعتقد أن السعادة مثل الحزن والنكد قرار.

لقد قلت لنفسي: أنا ما زلت حية؛ إذن سأحاول أن أكون  سعيدة من أجلي ومن أجل ابني.

واتخذت قرارا آخر لا يقل أهمية وهو أنني سأنجح في تجربة أو محنة الطلاق. سأجاهد لأقلل من آثاره علي ابني وعليّ. أخذت عهدا علي نفسي ألا أتحدث بسوء عن زوجي السابق وأبو ابني لا لابني أو للناس، وحرصت أن نظل أصدقاء قدر المستطاع. كنا قد اخترنا سويا أغنية “كن صديقي” للشاعرة الكويتية سعاد الصباح والتي غنتها المطربة اللبنانية ماجدة الرومي لتعزف في حفل زفافنا علي ضفاف النيل في القاهرة يوم 15 أكتوبر 1995.

ربما ساعدني أنه كان إنسانا متحضرا وبادل الود والاحترام بمثله، لكن القرار كان قراري، حتي كان يتندر بعض أصدقائنا المشتركين أن طلاقنا أنجح وأسعد من زيجات كثيرة مستمرة رغم فشلها وتعاستها.

اخترت وقررت ألا أكون إنسانة نكدية، أو أشعر بالمرارة لمجرد أن الزواج لم يستمر، ولا أقول فشل، لأني أعتقد كما قلت أن كثيرا من الزيجات فاشلة رغم استمرارها. الأهم هو عدم الحياة في نكد بسبب زيجة تعيسة أو طلاق أو عدم زواج، أو حتي موت قدر المستطاع.

رغم نظرة المجتمع السلبية إلا أنني استمددت قوتي من حبي لابني وللحياة، والدعم غير المحدود من أسرتي. التي ساعدتني كثيرا في تربية ابني وأحاطتنا بالحب والجو الأسري.

انطلقت في عملي الذي أحبه رغم مصاعبه ومخاطره وتقلباته مؤخراً، واعتبرته الإدمان الجميل، واعتبرت وجود ابني في حياتي عاصما لي من الوقوع في براثن النكد أو الاكتئاب. لم يكن ذلك سهلا. لكن من قال إن الحياة سهلة.

انسابت دموعي عندما أرسلت حضانة ابني شهادة رمزية “لابتسامته التي لا تفارق وجهه”، وضعتها في إطار في مكان بارز في مدخل شقتنا، معتبرة إياها شهادة نجاح لي وتوفيق من الله سبحانه وتعالي.

قررت أن أكون أنا وابني أصدقاء منذ صغره. عاملته بحب واحترام فبادلني نفس المشاعر. عندما كان يقول لي إننا أسرة صغيرة كنت أضيف وسعيدة، فيشرق وجهه بابتسامته الجميلة.

لم أعامله بشفقة أو معاملة خاصة بسبب الطلاق وعدم وجود والده في نفس البلد. بل بالعكس قررت أن أكون قوية وأربيه ليكون قويا واثقا من نفسه وعلي علاقة طيبة بوالده.

كان ابني في الخامسة من عمره عندما بدأت أسافر وقت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.  عندما عدت من إحدي هذه السفريات عرفت أن بعض زملائه في المدرسة كانوا يسألونه لماذا أسافر للعراق، بل لماذا أعمل أصلا وكان رده: لأنها تحب عملها وأنا فخور بها.

دعتني مدرسته لأحدث فصله الدراسي عن تجربتي الصحفية في العراق، فبدأت بأن شكرت ابني أمام كل زملائه في المدرسة أنه يسمح لي بالسفر ويتحمل غيابي، وإننا نحاول أن نعوض هذا الوقت عندما أعود.

من ضمن القرارات التي اتخذتها مبكرا كان ألا أفعل شيئا أعاير أو ألوم ابني عليه لاحقا في الحياة، وأن تكون لي حياة طبيعية وأصدقاء بجانب كوني الأم العاملة.

ومرت السنوات سريعا بحلوها ومرها وأنا أحاول أن أستمتع بكل مراحل العمر، عمري وعمره، مع ابني وصديقي وكل حياتي.

وعندما اضطررت أن أترك مصر وأتركه قبل عامين وهو علي وشك الالتحاق بالثانوية العامة، كان يساندني ويهون الأمر علي مما ساعدني في تحمل البعد عنه وعن بلدي، وأصبحت فخورة أن ابني لم يعد طفلا متعلقا بي، بل أصبح شابا مستقلا، وأن علاقتنا وصداقتنا لم تتأثر ببعد المسافات، ونحاول أن نعوض قدر الإمكان أيضا كل تفاصيل حياتنا سويا عندما نلتقي.

كلنا نحب أولادنا وأنفسنا.  لكن كيف نكون سعداء قدر المستطاع، وبعيدا عن النكد، سواء كنا متزوجين أو غير متزوجين، كان هذا قرارنا. فالسعادة هي الرضا بأقدارنا وأن ننظر لنصف كوبنا المملوء بدلا من النظر في أكواب الآخرين.

هذا ما تعلمته من تجربتي، و نصف قرن في هذه الحياة.

نادية أبو المجد
إعلامية مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان