رضا حمودة يكتب: مكاسب أمريكا من الضربة الروسية

تتسم السياسة الأمريكية الآن بدبلوماسية (إمساك العصا من المنتصف) عبر سياسة مد الجسور مع الجميع، حتى لا تخسر طرفاً قد يربح جولةً من الجولات في المستقبل القريب. يتبع

  رضا حموده

لا شك أن دخول روسيا عسكرياً ساحة الحرب الدائرة في سوريا ليس فقط للحيلولة دون سقوط نظام بشار الأسد. الآيل للسقوط بالأساس  كما يبدو في الظاهر، بعد تهاوي قواته على المستوى الميداني ، وفقدانه السيطرة على معظم أراضيه ، بل جاء لإنقاذ نفوذها من الزوال أيضا بزوال بشار كآخر معاقل الدب الروسي في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، فضلا عن مزاحمة إيران على النفوذ لا سيما في كعكة الحزام الساحلي العلوي الموالي للأسد الذي يضمن الوجود العسكري لأي محتل واللعب بورقة التقسيم، وفصل هذا الساحل في طرطوس واللاذقية عن الوطن الأم إذا ما سقطت الدولة تماماً في المحافظات والمناطق الأخرى.

وعلى غير الشائع، أعتقد أن التدخل العسكري الروسي في سوريا يصب في المصلحة الأمريكية وليس العكس، ذلك أن هذا التدخل يحقق لها ثلاثة مكاسب أو فوائد على المدى البعيد، أولها إطالة أمد نظام الأسد ولو إلى حين، والذي يصب في المصلحة الإسرائيلية ومنع وجود أي نظام مناويء للدولة الصهيونية لا سيما مع هدوء جبهة الجولان تماما لأكثر من أربعة عقود مضت، وهو ما يفسر زيارة نتنياهو لموسكو قبيل شن روسيا أول هجماتها على العمق السوري بهدف التنسيق وتوزيع الأدوار على الأرض، والتأكيد على التكامل وتقاسم النفوذ وليس تقاطع المصالح بما يخدم في النهاية المصلحتين الروسية الإسرائيلية والتي تصب في المحصلة في المصلحة الأمريكية بطبيعة الحال.

ثانياً: التخلص من التنظيمات الإرهابية المتطرفة من وجهة النظر الأمريكية والغربية، والتي تسبب صداعاً وفزعاً للعالم أجمع دون تورط الجيش الأمريكي ميدانياً في أرض المعركة أوتكبد الخزانة الأمريكية دولاراً واحداً، على النحو الذي جرى في أفغانستان والعراق مطلع القرن الحالي، الأمر الذي أنهك الخزانة الأمريكية، فضلاً عن الخسائر البشرية، واهتزاز سمعة أقوى جيوش العالم، ما سبب حساسية مفرطة للجانب الأمريكي جراء التدخل العسكري المباشر، والاكتفاء بالمتابعة وإدارة المؤامرات بحق ملفات المنطقة الملتهبة عن قرب، وجني الأرباح والمكاسب عبر وكلائها وحلفائها أو حتى خصومها.

 أما ثالث هذه المكاسب التي تجنيها الإدارة الأمريكية، هو إنهاك وإضعاف روسيا اقتصادياً وعسكرياً، ومن ثم شغلها في المستنقع السوري عسكرياً وسياسياً بالقدر الذي يُلهيها عن أطماعها الأخرى لا سيما في أوكرانيا وأوروبا الشرقية (حيث مناطق نفوذها القديم)، وبالتالي ينحسر دورها الخارجي العابر للحدود المزعج للغرب بقيادة الولايات المتحدة، لا سيما إذا ما أخذنا في الاعتبار أن سوريا لن تكون أقل ضراوة من المستنقع الأفغاني في ثمانينيات القرن الماضي، لتخرج روسيا منه في نهاية المطاف منهارة متفككة، أقل قوة وتأثيراً على الساحتين الإقليمية والدولية.

تتسم السياسة الأمريكية الآن بدبلوماسية (إمساك العصا من المنتصف) عبر سياسة مد الجسور مع الجميع، حتى لا تخسر طرفاً قد يربح جولةً من الجولات في المستقبل القريب قد تضطر للتعامل معه، ويظهر ذلك جلياً في إظهار الرفض الأمريكي للتدخل العسكري الروسي في سوريا، ومحاولة كسب ود الأطراف المسلحة الأخرى على الأرض السورية بحثها الجانب الروسي على عدم استهداف المدنيين، وضرورة توجيه الضربات بدقة لما تسميه التنظيمات الإرهابية المتطرفة الأخرى (تنظيم الدولة والقاعدة).

لا شك أن التدخل الروسي العسكري في سوريا سيُحدث زلزالاً مدوياً له توابعه الإقليمية والدولية الكارثية الأخرى على مستوى الأمن والسلم العالميين بما سيحدثه ذلك التورط من مخاض لا يحمد عقباه تعيشه المنطقة، حيث إن هذه الأجواء تشكل التربة الخصبة لتوافد آلاف المجاهدين الرافضين لاحتلال روسي وإيراني لسوريا على غرار النموذج الأفغاني في ثمانينيات القرن الماضي.

 الأمر الذي يشكل بدوره نواةً حقيقية لاندلاع حرب طويلة وشاملة على أساس طائفي ومذهبي، عن طريق فرض أمر واقع يُعاد تشكيل المنطقة العربية على أثره على شكل فسيفساء ودويلات طائفية متناحرة (وهذا ما تدفع باتجاهه الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا بتوافق روسي)، لقطع الطريق على أى فصيل إسلامي من اعتلاء السلطة ديمقراطياً في بلدان الربيع العربي المنكوب بفعل الثورات المضادة.

ما يحدث للمنطقة العربية في الشرق الأوسط باختصار لا سيما بعد الانقضاض على ثورات الربيع العربي، ما هو إلا تحالف صهيوني مسيحي شيعي بغرض استئصال شأفة الإسلام السنّي، وإعادة تشكيل وتقسيم المنطقة على أساس طائفي مذهبي، تتحول فيه الأغلبية السنية إلى أقلية مستضعفة محاصرة في كانتونات فقيرة منعزلة عن دائرة صنع القرار والنفوذ. 

مدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان