فاطمة المهدي تكتب: مكالمة تحت صرخات التعذيب

يقص عليهم ما حدث كان يبتسم .. يضحك ..ويقهقه.. ليخفى شيئا وراء صخبه، وضوضائه.. كان يسرد ما حدث معه وكأنه عائد لتوه من رحلة ترفيهيه؛ لكنها مغمسة بالدماء والدناءة والألم. يتبع

  الخبيرة الاجتماعية / فاطمة المهدي

لم يوقفه عن تعذيبى يا أمى سوى شحن جهازه الذى نفذ.

هكذا كانت كلماته وهو الذى لم يتجاوز الـ17 عاما .. نطق بها لوالدته والابتسامه تملأ وجهه ليخبئ بداخله زلزالا فجره فى قلبها الذى شعرت أنه توقف عن النبض للحظات بعدما كانت تتسارع دقاته منذ لحظة إلقاء القبض عليه.. ذاك اليوم الذى لا يفارق مخيلتها رغم مرور فترة لا بأس بها من الزمن.

عادت بها آلة الزمن إلى هناك..
عندما أعدت طعام الغذاء .. جلست تنتظره.. لكنها تذكرت أنه سيقابل أصدقاءه بعد أن أنهتكه مجموعات التقويه طوال الأسبوع..

اضطرت لتناول طعام الغذاء مع أبيه وإخوته فقط  .. كان صدرها يخبرها بشئ ما منذ أول النهار لكنها كانت تتجاهله عمدا. .تأخر.. ثم تأخر.. حتى لم تستطع التحمل .. وأخيرا … وصلها الخبر.

 لم تعلم حينها ماذا تفعل وما المفترض بها أن تفعل ..هل تجرى فى الشوارع لتخبر المارة أن ولدها برئ .. أم تذهب للارتماء فى أحضان أمها لتبكى .. أم تلومه أنه فكر أن يلهو مع أصدقائه قليلا؟

مرت ليلتها ثقيله ..تحدثت إليها نفسها بكل الأحاديث .. صارحت صديقتها بخوفها:
هل يضربونه .. هل يضرب بالعصا .. أم باليد فقط .. وفى أى مكان سيضرب .. وماذا سيفعل .. وبماذا سيشعر ..
أم هل سيكتفون بشتمه أو سبه بأقذع الألفاظ .. وهل سأنال أنا النصيب الأوفر منها؟ لكن ذلك لا يهم .. ليتنى أنا التى أشتم ..المهم ألا يمس حبيبى بسوء.

 مرت الليلة تلو الليلة..ثقيلة مره حتى أتم عدة أيام ثم تم الإفراج عنه.. لم تصدق نفسها .. طار قلبها من بين جنبيها .. وعندما رأته حرا .. لم تصدق أنه بين يديها .. ضمته إلى صدرها متمنية ألا يفارق جسدها؛ وكأنها أرادت أن تعيده إلى رحمها مرة أخرى.

جلس يقص عليهم ما حدث كان يبتسم .. يضحك .. ويقهقه.. ليخفى شيئا وراء صخبه و ضوضائه.. كان يسرد ما حدث معه، وكأنه عائد لتوه من رحلة ترفيهيه؛. لكنها مغمسة بالدماء والدناءة والألم.

يحكى كيف كان يسمع صراخ أصدقائه وهو ينتظر دوره فى التعذيب .. كيف كان يشعر عندما حان دوره .. كيف كان ذاك الوحش مجهزا عليه يضربه تارة ويسبه تاره .. كيف كان مكبل اليدين وراء ظهره ليشعره بالعجز وإن قاوم .. كيف استل جهازه الكهربائى من جيبه ليغمده فى جسده فيجعله يتألم حتى الصراخ شرط ألا يترك أثرا..
كان يحكى لوالدته ضاحكا وهو لا يعلم أن قلبها يكاد أن يخلع من بين أضلعها.

بادرته والذهول ما زال مسيطرا عليها، وعلامات الاستفهام ما زالت تحيط بها:
-كهربا! ليه؟ وفين فى جسمك؟
-مش مهم يا ماما 
لم يستطع أن يجبها? إنه كان يعلم يقينا أنها لن تتحمل

حدقت فى وجهه كثيرا..ثم مرت بعينيها على جميع جسده محاولة أن تلتقط أى علامه أوكدمه؛ لكنها لم تفلح فقد كان الشتاء قارسا والملابس لا تترك شيئا دون ستره .. حتى لمحت لونا أرجوانيا فى رقبته .. سألته وهى تشير إلى رقبته:
إيه ده؟
أجابها :
إيه.. فيه علامه هنا ؟

كانت هناك كدمة خفيفة تسكن جانب رقبته الأيمن وكأنها تناشدها أن اتركيه وشأنه.. تلك الكدمة التى لا تنساها .. ولا تنسى لونها أو مكانها ما أشغلت عنها أو تشاغلت.

انتهى اليوم بعد أن اتصل جميع أفراد العائلة والأهل والأصدقاء للاطمئنان عليه.

دخلت غرفته ليلا لتطمئن عليه وجدت ذاك الذى كان يضحك مكوما فى فراشه، وعلامات جزع تبدو عليه أثناء النوم .. كان يهمس بكلمات غير مفهومه .. وحاجبيه قد انقبضا فى جزع .. قلقت عليه كثيرا .. قبلته وهو نائم ثم انسلت مغادرة الغرفة وقلبها يبكى دما.

كان اليوم التالى على خروجه .. أخذ يكمل لهم مغامراته وصولاته وجولاته هناك .. وفى وسط الزخم رمى بعبارة فى وجهها وهو يضحك:
أتعلمين يا أمى عندما كان يعذبنى جاءته مكالمة من زوجته رد عليها كالتالى:
“أيوه يا حبيبتى..أنا فى اجتماع دلوقتى”.. لقد كان يتحدث إلى عائلته وهو يتلذذ بتعذيبى وكأنه يشاهد فيلما مشوقا أو رقصة ممتعة .. كنت أصرخ من شدة الألم حتى أكاد أفقد الوعى .. فيتوقف .. ثم يعيدها مرة أخرى .. فأصرخ حتى أشعر أنى قد أصبحت فى عالم آخر .. فى مكان غير المكان وزمان لا يدركه عقلى .. أصرخ حتى يتلاشى صوتى وبين هذا وذاك يأتينى صوته وهو يضحك وأتخيله وهو جالس مع زوجته التى يناديها حبيبتى بين أحضان أبنائه الصغار لاهيا تارة ضاحكا تارة مرتديا ثوب الأب الحنون الذى لا يرضى أن يمس أحد أبناءه بسوء.
أتساءل كثيرا يا أمى كيف؟ ولم؟ كيف يقوم بتعذيبى ويهنأ له بال .. يبات ليله مغمضا جفنيه…ثم يستيقظ صباحا ليقبل زوجته ..يحتضن أبناءه..يضحك ويمارس طقوس يومه وكأن شيئا لم يكن .. وكأن “تعذيب الأبرياء” صار جزءا من طقوسه اليوميه كما الطعام والشراب الذى يتناوله.

كيف يهلل له أتباعه ويصفقون؟ كيف يغفلون عن جرائمه القذره؟ كيف يبتسمون فى وجهى نهارا ويدعون محبتى ثم ينسجون له الزغاريد عند هبوط ضوء القمر؟ كيف يجرى دمى فى عروقهم ثم يتنكرون لى ويؤثرونه على؟
و لماذا نحن؟ هل لأننا حقا متميزون لأننا نطالب بحقوقنا .. بحرياتنا .. بحقنا فى الحياه!
لأننا لم نرض المذلة وطأطأة الرؤوس كمن رضى.. لأننا لم نهتم بالخبز قدر اهتمامنا بالحريه؟
لأننا لم نحذ حذو الأجداد فى الصموت والخنوع؟
أم لأننا لم نتخذ من بنوا الأهرامات أجدادا لنا فى حرفة العبودية؟
ألهذا حقا نعذب وتكتم أصواتنا؟

لقد تغير الجيل أيها الفاشى .. لن نصبح عبيدا أذلة كما كان الشعب منذ قرون .. منذ الفرعون الأكبر الذى صاح أنا ربكم الأعلى حتى فرعونكم الأحقر .. لن ننكسر وإن حاولتم .. فجراحاتنا تقوينا وإن طال نزفها .. وهزيم رعدنا لا يزال يرعب أكبر رأس فيكم .. وقوتكم فى أعيننا ما هى إلا صوت صدى .. سنحيا دوما يا أمى شوكة فى حلقهم .. وخنجرا يطعن زيف حقيقتهم.. أو فلتكن شهادة فى سبيل الله.. شهادة ونحن نذود عن كلمة الحق، وإن ندرت فى زمن عزت فيه الحقيقة .. وصار فيه أشباه الرجال هم علية القوم.

 سنموت و دماء أحبتنا الذين رحلوا لا يزال يلامس خطانا حتى نلقاهم .. سيكون موتنا يا أمى ميلاد لجيل أقوى..
فنحن لهيب الشمس وإن غاب وجهها دهرا.. ونحن إشراق الصبح و إن طال الليل عمرا.

فاطمة المهدي

كاتبة مصرية وخبيرة اجتماعية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان