أبرار مسعود تكتب: الناجون من الموت

هل لك أن تتخيل ما يشعر به أحدهم وهو يقفز بخطوات واسعة من أعلى جثة طفل يئن وينازع الموت وليس له ضمن خياراته المتاحة أن يتوقف عُشر الثانية لإنقاذ الصغير. يتبع

  أبرار مسعود / مدونة مصرية

تخيلت ذات مرة أنك في أجواء حرب مشتعلة حد إحراق كل شيء في محيطها?

وبدلا من أن تبحث عن مخرج ينقذك من ساحة المعركة عليك أن تذهب لأقرب نقطة يشتد فيها الصراع لتشهدها وتوثق لها بطريقة أو بأخرى ، ثم لا مجال لأن تستسلم للموت الذي تحمله كل رصاصات العدو المصوَّبة تجاهك.

بل عليك أن تتحول فجأة للسوبر مان بقفصه الصدري الحديدي وتنجو من جميع الرصاصات التي تحيط بك لتُطلع العالم الآخر عما رأيته وعايشته هل لك أن تتخيل مايشعربه أحدهم وهو يقفز بخطوات واسعة من أعلى جثة طفل يئن وينازع الموت وليس له ضمن خياراته المتاحة أن يتوقف عُشر الثانية لإنقاذ الصغير.

 أن توثيق مقتل قائد المجموعة المقاتلة في هذه المنطقة والتقاط صورة لجثته الهامدة دون نبض لهو حدث أهم من موقف انساني يمكن أن ينقذ حياة أحدهم اذا كنت بحضرة موقف مهيب لتشييع جنازات من لقوا حتفهم في منطقة تتنازع فيها قوى الشر العالمية.

إلى ماذا ستدفعك فطرتك ومشاعرك الإنسانية للتصرف وأنت تقف أمام أم لأحد من لقوا مصرعهم بفعل قذيفة فتكت بجسده ولم تُبق منه شيء ، تبكيه والدته السبعينية بحرارة بالغة تظن أن ذلك عزاؤها الوحيد فيه.

أنت إزاء الموقف تبحث عن تصرف يليق بحزن من فيه سيقطع تفكيرك أحدهم ، سيتخطاك ويتخطى العجوز بنظرة باردة وهو يرسل أنظاره مشتتة إلى الآخرين يبحث عمن هو أشد ألما ووجعا منها ، مثل زوجة أصابها الصرع فأفقدها النطق تصرخ وتصرخ فقط ، يقف عندها طويلا ويوثق ألمها ووجعها من أكثر من زاوية ، لا تكفيه صورة واحدة للوجع ، يسأل مابها ليستكمل توثيق الحالة بجميع تفصيلاتها فيعرف أنهم استوقفوها وزوجها في أحد الطرقات وحاول أحدهم التعدي عليها أمام زوجها ثم كبلوا الأخير وقتلوه أمام عينيها ثم تركوها أخيرا وهي في حالها ليلفظ زوجها أنفاسه الأخيرة بين يديها.

هذه إذن الأنسب لأنها الأبشع لا أعلم أي عاقل هذا الذي يختار لنفسه تلك الوظيفة المخيفة !! كيف لأحد أن يحيا وسط كل هذا الموت الذي يقابله في كل آن ، كيف ينام ليلا وما الذي يراوده في أحلامه ؟ حسنا سأكرر مرة أخرى : كيف يحيا حقا ؟!! أحدنا إذا فقد قريبا أو شخصا عزيزا دون أن نشهد لحظاته الأخيرة لكننا بمجرد سماعنا للخبر نكون عرضة للإصابة بحالة نفسية سيئة ، نأخذ وقتا ليس باليسير لنستطيع العودة مرة أخرى إلى الحياة الطبيعية ويبقى أثرا موجودا لايزول .. هؤلاء كيف لا يتأثرون ؟ من أين لهم كل تلك القوة الخارقة التي تجعلهم يعايشون الموت في أشد لحظاته ثم وبعد تسليم العمل للجهة المختصة أول مايتداعى لتفكيرهم هو أخذ قسط من الراحة والترفيه عن النفس من خلال إجازة تمتد لأيام للسفر لأحد الأماكن الهادئة بصحبة رفاقهم !! وهناك يعيدون شريط حياتهم الى نقطة البداية وكأن شيئا لم يحدث .. هكذا يمكنهم الاستمرار ! أحدهم يتفاخر بمحصلة صوره أمام أقرانه ، ولا فرصة لأن يزايد عليه آخر إلا أن أخرج من جعبته مايفوق حصيلة الأول بشاعة وأشد جُرما ، كلٌّ يروي كيف حاز على كنزه لكن لا أحد يستكمل الحديث إلى ما آل إليه مصير أولئك.

ذلك لايهم ابدا ! في فبراير الماضي بعد وقوع حادثة استاد الدفاع الجوي والتي راح ضحيتها 19 شخصا من مشجعي نادي الزمالك حسبما أورد الطب الشرعي في تقريره ، كُلفت من قبل جهة عملي بالذهاب إلى الجامعة الألمانية لتغطية أحد وقفات الاحتجاج على الحادثة البشعة ، أثناء تغطيتي كان هناك أحد الناجين من الواقعة ، كان يروي ماحدث رؤيا العين بالتفصيل الممل وكأنك تشاهد المشهد أمامك من وصفه ، ثم تطرق بحديثه إلى اصدقائه الذين داهمهم الموت بغتة فلم يستطيعوا منه فرارا ، كنت أنظر إليه كأحد الناجين من الموت ، كان عليه أن يكون الآن تحت الأرض مستمعا لحسابه وليس متحدثا فوقها ، هو أيضا كان يبدو عليه آثار إرهاق نفسي بالغ الألم وذهول ليس له نهاية.

ربما لم يستوعب بعد أنه بذاته هو من يروي قصة موته لا أحد آخر يرويها عنه ، كان في حالة نفسية يُرثى لها ، كان يتحدث عن زميله الغائب في العالم الآخر وهو يتمالك بصعوبة ، لكني لم استطع أن أتمالك وبكيت أخيرا.

حتى تحولت أنا محط أنظار ومحور اهتمام تلك الوقفة ! الجميع أو ربما نسبة كبيرة جدا تعتنق اعتقادا مفاده أن أي شخص يمسك تلك الآلة السوداء في يده هو كائن فضائي لا قلب له أو هو ريبوت آلي يستقبل الأوامر ويفك شفراتها ثم ينفذها بإتقان دون الشعور بأدنى إحساس إزاء مايشهده ، وهم يجهلون تماما كم هو مؤلم المشهد من خلال أوسع كادر تسمح به العدسة فتظهر جميع التفصيلات الصغيرة المختفية عن أعينهم !! من فترة أُهديت لي كاميرا احترافية من طراز nikon.

وتلك هدية ثمينة يحلم بها كثيرون ويتمنونها كما قال لي أحدهم ، لكني لم أحلم بها قط ولم أطلبها ، منذ اقتنيتها وأنا لا أفكر جديا في العمل بها مع أن ذلك ربما يسهم في إيجاد فرصة عمل مناسبة . ذات مرة دخلنا في دائرة نقاش أنا وأمي حول مستقبل عملي ، وعلى سبيل المثال ذكرت لي أحد أسماء الإعلاميين المعروفين المحببين لي ، تحدثني كم تتمنى أن تراني مثله ، ضحكت طويلا وانا أتذكر مشقة الطريق الذي سلكه ذلك الإعلامي المحترف حتى يصل إلى كرسي برنامجه الأكثر شهرة.

وأن أهم محطة في حياته ساهمت في سطوع نجمه في المجال هو تغطيته لحرب العراق أوائل الألفين ميلادية ، وكيف أنه كتب وصيته مرارا و روى فيما بعد نجاته بأعجوبة من أنفاق الحرب ، ثم بشيء من المراوغة وعدّتها أن أسعى لتنفيذ أمنيتها في أقصر مدة زمنية ممكنة مقابل أن تتركني لأذهب لتغطية الحرب في سوريا ، وبأسلوب أكثر استفزازا أظهرت لها جديتي وأن أجواء العمل كمراسلة حربية هو أمر محبب لي لأن فيه الكثير من المغامرات التي أحب خوضها ، صمتت أمي وكانت قد شردت بعيدا عني ولم تكلّف نفسها عناء الرد أو الاعتراض حتى لأنها تعلم أن ذلك لن يحدث ولن يسمح لي أحد به ولو كان المقابل أن أكون وزيرة الإعلام.

ابتسمت لها بمكر ثم انصرفت أنا أيضا وأنا أقسم في قرارة نفسي أنني لن أقدم على فعل شيء من تلك الحماقة يوما ، ولن أترك أسرتي التي أعشق أفرادها واحدا واحدا وأذهب لكي ألقى مصيري الآخير بسبب جهل من يلعبون بالسياسة اللعينة لا أحد يذهب إلى الموت طواعية سوى من يريد التخلص من الحياة ، أما هؤلاء فهم يواجهون مصيرهم مع الموت مرات ومرات ، لا لأجل الخلاص بل لأجل حياة أكثر شهرة أو ربما لأجل حياة أكثر عدلا للآخرين.  

صورة ربما تجسد معاناة طائفة أو شعب وتنصفهم في أعين العالم الذي يقدس الإنسانية ، أو ربما صورة تاريخية تُعلم أجيالا في علم الغيب بعدوهم وجرائمه وتساعدهم في التعرف على ملامحه ومن ثَم الثأر منه رفقا بالباحثين عن الحقيقة ، رفقا بمن يكرسون حياتهم للهث خلف الجرائم اللانسانية وتوثيقها ، ربما تمسّكهم القوي بالحياة وسمو رسالتهم التي يؤدونها هو ماينقذهم من فكّ الموت في كل مرة يكاد يلتهمهم فيها.

أبرار مسعود
مدونة مصرية  

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان