حنان كمال تكتب : حضن سارة

كانت الفتاتان تقفان بجواري حينما كنت اتحدث في الهاتف حول اصابتي بالسرطان, شهقتا حين سمعتا اسم المرض الذي تعاني منه أمهما. يتبع

 حنان كمال / إعلامية مصرية

كانت الفتاتان تقفان بجواري حينما كنت اتحدث في الهاتف حول اصابتي بالسرطان , شهقتا حين سمعتا اسم المرض الذي تعاني منه أمهما , كنت قد انهيت جلسة الكيماوي الأولي ومرت دون ان يتجاوز فهمهم لما هو ابعد من “ماما تعبانة شوية ” , لكنهم صاروا يعرفون الآن انه سرطان , كان التحدي الأكبر بالنسبة لي أن اخلع من نفوسهم الهلع المرتبط بأنهم قد يفقدون الأم قريبا في معركتها مع مرض خطير ,كان الأمر مربكا شديد الارباك خاصة وهم يعانون من الحادث الذي اصاب اباهم فأثر على كثير من قدراته , الاحساس بانعدام الامان هنا كان مركبا ومخيفا ايضا .

 اتذكر انني اجلستهم بقربي , قريبا جدا , وحكيت لهم نظرية ساذجة مفادها أن السرطان مجرد خلايا صغيرة مجنونة وان ماما لا يمكن ان تستسلم لهذه الخلايا المجنونة , ثم أخبرتهم أن الطبيب كتب لي دواءا غريبا على أهل الطب “على سارة أن تعطي ماما ثلاثة احضان كل يوم , لأن حضن سارة قد يشفي ماما فعلا ” , لم اكن اكذب , انا اصدق هذا , واحضان سارة كانت دواءا افضل من الكيماوي والاشعاع وكل انواع العلاجات المدمرة .

الفتيات هن من أخبرن حمزة بحقيقة مرض امهم  , وحمزة ظل يتعاطى مع قلقه وخوفه بشكل غير معلن , بينما استطاعت الفتيات لأنهن يتحدثن كثيرا في التجربة ان يتجاوزن خوفهن , بعد ايام قالت لي سارة ” انتي غيرتي وجهة نظري عن السرطان , كنت فاكرة مرضى السرطان بيناموا كده في المستشفى وخلاص , بس انتي اهو قوية وحياتك طبيعية  “

محاولتي للتماسك أمام الأولاد جعلتني اقاوم ألمي وتعبي واحاول ان تسير الحياة طبيعية قدر الامكان , لهونا كثيرا معا , وتحدثنا , كنا اصدقاء , وربما من فضل هذه التجربة انها قربت بيني وبين بناتي وجعلتنا اصدقاء حقا , كانت نور تراقب سقوط خصلات شعري , تراقب محاولتي لتحسين شكلي قدر الامكان , تساعدني على ارتداء ملابسي , في الاقات التي لم تعد فيها حركتي خفيفة مثلما كانت , تعد لي اكواب الينسون والنعناع والكمادات حين اعاني من نوبات الحمى .

مشاركة التجربة وحصولهم على دور في المسرحية الدائرة في البيت جعلهم شركاء لا مجرد متلقين , جميعنا , كل هذه الاسرة حارب وحشا يحاول أن يهزم ماما , هي تقاوم ونحن معها .

تلقيت مساعدة حقيقة من الاسرة الممتدة , فقد ساهمت جدة الاولاد في رعايتهم , وكذلك اخواتي , وبعض الاصدقاء كذلك قدموا مساعدات جليلة وكذلك الجيران  , ينبغي ان اذكر ايضا الدور الذي لعبه الاستاذ عمرو عبد الرازق المدرس الخصوصي الذي كان يعاون الأولاد لتحصيل ما فاتهم من الدروس عبر الارباكات العديدة التي مروا بها , لكنه تجاوز ذلك ليصير صديقا للاولاد , وبمحبة بالغة جعلهم يتفوقون في دروسهم .

ربما ساهمت التجربة في انضاج الاولاد اسرع من سنوات عمرهم الصغيرة , صرنا نعرف ان الاسرة تواجه ظرفا صعبا وان علينا أن نتعاون حتى نستطيع ان نواصل حياتنا بهدوء ,فالتزم كل منهم بدور , حمزة صار يقدم بعض المساعدة في رعاية ابيه , الفتاتان تساعدان الأم , نور الكبرى تساعد احيانا في رعاية اختها الاصغر, تحميمها , تصفيف شعرها , اختيار ملابسها ,  بعد قليل من الوقت اكتشفت ان ادوارهم تجاه بعضهم البعض تجاوزت هذه الخطوط البسيطة فسارة الصغيرة صارت تعاون نور في حفظ الدروس كما كانت تساعدها نور ايضا   , وحمزة مسؤل طباعة الورق وتشغيل الكمبيوتر  , وشرح بعض الصعوبات للصغيرات احيانا .

 صرنا نعرف أن المرء قد يمر من وقت لآخر بابتلاء صعب  , وانه قد يدرك لاحقا أن لهذا الابتلاء جوانب ايجابية , ذلك الذي نسميه اللطف الخفي , لذا فالدرس هو الا نجزع , صرنا نرى أنه بالامكان أن نخوض معركة صعبة للغاية , لكن لحظة النصر في النهاية هي لحظة سعيدة جدا لا تقدر بثمن , النجاح في المعارك الصغيرة لا نحظى به دائم حين نعيش حياة رتيبة بلا تحديات , لكن ها هم قد شاهدوا امهم تخوض تجربة المرض وتنجو وتستعيد حياتها شيئا فشئ , وحتى بابا الذي كان مثالا نموذجيا ليأس الاطباء يشفى ويتحسن ويستعيد حياته , ببطء نعم , لكننا نسير في طريق , ان ترى خطواتك على الطريق لهو اعظم الأمل .

في النهاية لا اقول أنني اربي اطفالا مثاليين , يتجاوزون مشاكل من هم في سنهم , هم رائعون لأنهم استطاعوا أن يكونوا مثل كثير من اقرانهم بالرغم من التجربة الصعبة التي مرت بها الاسرة , هم اطفال طبيعيون في حياة غير طبيعية , ولذلك فهم رائعون حقا .

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان