حسان عبدالله يكتب: الإصلاح والتغريب في العالم الإسلامي

فكرة “الإصلاح” من الأفكار الأصيلة في المنهج الإسلامي وترتبط في جانبها العمراني بأسباب وعوامل بناء الأمة وإخراجها من الظلمات إلى النور, ومن الانحراف إلى السوية. يتبع

 

فكرة “الإصلاح” من الأفكار الأصيلة في المنهج الإسلامي وترتبط في جانبها العمراني بأسباب وعوامل بناء الأمة وإخراجها من الظلمات إلى النور, ومن الانحراف إلى السوية, ومن الإفراط والتفريط إلى الوسطية والاعتدال, ومن الجمود والتقليد إلى التطور والتجديد, ومن الجور و الفساد إلى الصلاح والإصلاح, وقد تعرضت أمتنا منذ ما يزيد عن قرنين إلى محاولات لتغييبها, واستهداف استقامتها الحضارية, وفعلها الصالح الحضاري, وقد أصيبت الأمة في بعض جوانبها التي تتصل بالبناء المعرفي للعقل المسلم, نتيجة لعوامل داخلية وأخرى خارجية, وقد تمثل النوع الأول في سيادة الجمود, وانسداد باب الاجتهاد, وهيمنة عقلية التقليد وغياب عقلية الإبداع والعمران.

وكان المشروع الفكري الغربي الذي تمدد في العالم الإسلامي نتيجة تداعى الخلافة العثمانية ثم إعلان سقوطها عام 1926م, والذي برز متفوقاً في إنتاجه المادي والعلمي العامل الأقوى والأكبر أثراً لظهور سؤال “الإصلاح” في الفضاء المعرفي الإسلامي الحديث والمعاصر.

الإصلاح” في اللغة من “صلح” ضد الفساد، ونقيضه، وإزالته (إزالة الفساد),والصلاح-أيضاً- يعني “الاستقامة” و”السلامة من العيب”. وقد قوبل “الصلاح” في القرآن تارة بالفساد، وتارة بالسيئة.

ومفهوم الإصلاح في القرآن واحد من مفاهيم المنظومة المفتاحية الجامعة بين الأفكار والأشخاص والأشياء، وهو مقابل لمفهوم الإفساد. وقد يدعى المفسد أنه مصلح؛ مما يجعلنا أمام نوعين من الإصلاح: الإصلاح الدعيّ, والإصلاح التوحيدي. الأول ضال ومراوغ واسم على غير مسمى، والثاني هو وحده الجدير باسمه، وهو مفتاح الاستقامة، والتمكين، والعزة، والتزكية، والعمران في الدنيا، والفوز في الآخرة.

وارتبط مفهوم “الإصلاح” في الفكر الحديث بحركة “الإصلاح الديني” في أوروبا ضد هيمنة الكنيسة والإقطاع وتسلطهما على العقل الإنساني والعمران البشري في العصور الوسطى المظلمة في أوروبا, وقد ظهرت هذه الحركة مع ظهور المذهب البروتستانتي مقابل المذهب الكاثوليكي المهيمن على الحياة الكنيسة آنذاك.

أما في العالم الإسلامي فقد ارتبط مفهوم “الإصلاح” في العصر الحديث بالجانب المادي العسكري، كما ظهر في تجربة السلطان سليم الثالث (1761) ومحمد على(1769)،  وناصر الدين شاه (1831) باقتباس “التعليم العسكري” من النمط الغربي. ويلاحظ أن مصطلح “الإصلاح” لم يكن له وجود عند المفكرين المسلمين في بداية المواجهة مع الفكر الغربي وحضارته، بل مالوا إلى استخدام وتبنى مفهوم “التجديد”. وهو ما دفع رضوان زيادة للتساؤل “لماذا استبعد تماماً لفظ الإصلاحReform  لحساب مصطلح  التجديد Reconstruction، ويرد ذلك إلى عاملين، الأول، ما جاء في الأدبيات الدينية عن “التجديد”،والثاني: قراءة تجربة الإصلاح الديني المسيحي”.

ويوصف “المعرفي” -الشطر الثاني للمفهوم المذكور – بأنه يتعامل مع الظاهرة من منظور كلي ونهائي, وقصدنا هنا بـ”المعرفي” هو مستوى الإصلاح الذي يتعامل مع كليات النموذج المعرفي التوحيدي (المفاهيم والتصورات والمدركات وطرائق التفكير ومصادره).

ويبدو “التغريب” الأكثر فاعلية في العوامل التي أدت إلى هيمنة سؤال الإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث, وذلك لما أنتجه مشروعه الفكري من تباينات حادة في العقل المسلم وفي تصوراته ومفاهيمه انعكست بدورها على منظومته الفكرية وطريقة تصوره للأحداث

وإجرائيا الإصلاح المعرفي: الجهود الفكرية التي توجهت صوب “الأسس المعرفية” في مجالين أساسيين, الأول: نقد وتفنيد الفكر الغربي الوافد ورده إلى أصوله؛ وذلك لبيان اختلافه وتناقضه مع النموذج المعرفي الحضاري التوحيدي. والمجال الثاني: بناء القيم والتصورات والمفاهيم والمدركات وطرق وأساليب التفكير من أجل تأسيسات منهجية في المجالات الأساسية لـ “المستوى المعرفي التوحيدي والحضاري”.

أما “التغريب” وهو واحد من المفاهيم التي تعبر عن تأثيرات الفكر الوافد في العصر الحديث مثل: الاستلاب، الغزو الثقافي, الهيمنة الثقافية…وقد اخترنا “التغريب” لمقاربته في معجمنا اللغوي من المعنى الذي نقصده أو في كثير من جوانبه حيث يشير إلى: حالة الغربة / الانفصال / الارتحال / النزوح/ الغياب / الاختفاء/ البعد.

ويبدو “التغريب” الأكثر فاعلية في العوامل التي أدت إلى هيمنة سؤال الإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث, وذلك لما أنتجه مشروعه الفكري من تباينات حادة في العقل المسلم وفي تصوراته ومفاهيمه انعكست بدورها على منظومته الفكرية وطريقة تصوره للأحداث والوقائع وتفسيره لها, وهو ما يشير إليه طارق البشرى بقوله “إن من أخطر وجوه الإفساد القيمي في هذا الشأن, أن ما كان يعتبر عاملا داخلياً صار يعتبر عاملاً خارجياً في تقويم أحداث التاريخ نفسه, وانعكس الوضع, فصار ما هو عامل خارجي كالحملة الفرنسية على مصر, صار يعامل أحياناً كما لو كان عاملاً داخلياً, وذلك عندما ينظر إليه البعض عنصراً مساهماً وباعثاً للنهوض والتقدم. وقد جرى له هذا التقويم تحت إملاء المفهوم السائد عن “وحدة العصر” بالمعنى الأممي والحضاري, وما ترتب على ذلك من اغتراب والتحاق برباط التبعية مع الغرب والالتحاق المعنى هنا ليس التحاقا مادياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً ولكنه التحاق يتعلق بالوعي”, ويضيف البشرى أيضاً موضحاً اتصال واستمرار حركة التغريب وتغييب الوعي وتحقيق الانفصال عن الجذور والتاريخ والتشتت الحضاري  بقوله “وأحسب أن القيمة السائدة لدينا الآن عن “المعاصرة” أو “وحدة العصر الحديث” بمعناها الأممي والحضاري هي من أسس ما يروج من قيم ومفاهيم تنتج اختلاط الوعي بالذات. وهي من أسس ما نعاني من اغتراب واستلاب حضاري. ولا يقتصر أثرها على إفساد نظرنا إلى واقعنا ووقائعنا من منظور خاص بنا ومتميز, ويرعى صالحنا الحضاري والمادي, ولكنه يمتد إلى نظرنا إلى ماضينا, فيعيد تشكيله على غير ما قام في الواقع الماضي. كما أنه يقيم التبعية والتجزؤ, لا في الواقع وحده ولكنه يقيمها في الوعي ذاته”

 كما سار المشروع التغريبي عبر نسق منهجي يهدف إلى استيعاب النخب العلمية المنتمية إلى الثقافات الأخرى عبر عدة آليات هي: التثاقف (تحقيق رغبة رحيل المهاجر من ثقافته إلى قيم الغرب، ومن سلوكيات ثقافته الأصلية، إلى قيم الغرب وسلوكياته) والتدامج (التحول الفعلي إلى ثقافة الغرب وسلوكياته) والتشتيت (الفقدان الكامل للهوية الأصلية).وهو ما يتوافق مع وجهة النظر الغربية لمعنى التغريب والذي يعنى “أنه يجب على أي دولة تريد أن تصبح غنية وقوية ، أن تتعلم كيف تعيش وتفكر مثل الغرب”.

أما التغريب في نظر المفكرين المسلمين فيهدف إلى “خلق عقلية جديدة تعتمد على تصورات الفكر الغربي ومقاييسه، ثم تحاكم الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي من خلالها بهدف سيادة الحضارة الغربية، وتسيدها على حضارات الأمم ولاسيما الحضارة الإسلامية”.

إن المشكلة الجوهرية التي تواجه أمتنا هي مشكلة “الوعي المعرفي” الذي يُشَكَل عبر المؤسسات الحضارية للأمة؛ إلا أن عمل هذه المؤسسات مرهون بصحة وسلامة العقل المسلم؛ لذا فإن المأمول في جهود المفكرين والمصلحين العناية بتصحيح التصورات والمفاهيم التي تقوم عليها بنية العقل المسلم

ويخلص فهمي جدعان إلى أن دعوة “التغريبيين” تكمن في الخروج من الدائرة العربية والإسلامية خروجاً كاملاً أو شبه كامل، وهذا الخروج يتبلور بصفة خاصة في التبني الكامل للقيم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية للمدنية الغربية وفي الدعوة صراحة للارتباط بأوروبا والتبعية لها,ويشير جلال آل أحمد إلى أن التغريب “مجموعة من الأعراض تطرأ على حياتنا في جوانبها الثقافية والحضارية والفكرية من دون أن يكون لها أية جذور في التراث، أو أي عمق في التاريخ”.

والتغريب بما تقدم يمكن وصفه بأنه تلك العملية التي تعرض فيها العالم الإسلامي منذ القرن الثامن عشر-ولازال- من محاولة لفرض المشروع المعرفي الغربي القائم على تبني القيم المادية, والنظرة المادية للمعرفة والكون و تمثلاتها في ميادين الفكر والعلوم الإنسانية والطبيعة و التصورات الأساسية حول الله والإنسان والكون, على العقل والوجدان المسلم  بهدف استبدال النموذج المعرفي الغربي بالنموذج المعرفي التوحيدي.

إن المشكلة الجوهرية التي تواجه أمتنا هي مشكلة “الوعي المعرفي” الذي يُشَكَل عبر المؤسسات الحضارية للأمة؛ إلا أن عمل هذه المؤسسات مرهون بصحة وسلامة العقل المسلم؛ لذا فإن المأمول في جهود المفكرين والمصلحين العناية بتصحيح التصورات والمفاهيم التي تقوم عليها بنية العقل المسلم والتي تعرضت إلى تشويه وخلط عبر القرنين الماضيين, ومن هنا فإن الجهود الإصلاحية ينبغي أن تتجه إلى العقل المسلم ومنظومته المعرفية لإعادة اكتشاف نموذجه المعرفي الحضاري المتميز والمتفرد وتصحيح ما علق به من تشوهات وانحرافات معرفية ومنهجية.

ومن الدراسات التي عالجت مضامين حركة الإصلاح المعرفية دراسة فهمي جدعان: أسس التقدم عند مفكري الإسلام, وهدفت هذه الدراسة إلى تقديم صورة لإسهامات المفكرين العرب المسلمين الحديثة عبر فترة زمنية تبلغ قرن كامل (1850 – 1950)، وذلك من خلال تحليل الإسهامات الفكرية التي قدمها هؤلاء المفكرون، والتي يعتبرها صاحب الدراسة “الأساس الصوري الأوًّلى لمشروع يستهدف العالم العربي كله. وتنطلق الدراسة من اعتقاد بأن قطيعة كاملة مع الأصول لم تحدث في الفكر العربي الحديث إلا في دوائر محدودة جداً. وإن الطرح الصحيح لهذا الفكر يكمن في القول إن الهواجس الحديثة قد ظلت مطلة باستمرار، في القطاع الكبير من تجلياته..أما أولئك الذين أداروا ظهورهم للأصول وطرحوا مفهوم النهضة العربية على أسس مقطوعة الصلة بالأصول فلم تتوجه إليهم الدراسة، لأن الدراسة بالأساس تبحث في المنطلقات العربية للتقدم.

تناولت الدراسة أكثر من أربعين مفكراً عربياً مسلماً، بحثت في إسهاماتهم عن “أسس التقدم” ومنطلقاته ومبادئه تلك التي بدأت كما يذكر صاحب الدراسة “مع ابن خلدون لا مدافع نابليون”. وقد طرحت هذه الأسس تحت عناوين: ميتافيزيقا التقدم، الحقيقة والتاريخ، الدخول في الأزمنة الحديثة، التوحيد المحرر، دروب الفعل، القيم، نظرة إلى الوراء، نظرة إلى الأمام.وقد توصلت الدراسة إلى عدة نتائج أهمها: أن التحول الحادث في مفهوم التوحيد الكلاسيكي قد انتهى, في الأعمال الحديثة, إلى صيغة دينامية حية. صريحة كفت فيها العقيدة على أن تكون مبادئ فلسفية، وأصبح الدين ذا وظيفة اجتماعية صريحة اتخذت أحياناً شكل الوظيفة السياسية الخالصة. كما أبرزت الدراسة أيضاً اتفاق المفكرين على أن العالم العربي لن يستطيع أن يتقدم إلا إذا وضع حداً لحالة “الفصام النكد” بين الدين والدولة أو الإسلام والدولة.

أما دراسة ماجدة مخلوف “الإصلاح والتجديد في تركيا فقد حاولت تتبع حركات الإصلاح في تركيا خلال القرنين الـ 19 – 20, وقد أكدت الدراسة أن المشكلة التي يعيشها المسلمون من القرن التاسع عشر الميلادي، تكمن في محاولة الوصول إلى صيغة تحقق لهم الموائمة بين موروثهم الثقافي والحضاري، وبين الغرب بثقافته وحضارته. وتشير صاحبة الدراسة أنه في ضوء هذه الإشكالية، فإن تتبع محاولات الإصلاح ثم التجديد التي تمت في الدولة العثمانية بدءاً من القرن الثامن عشر حتى قيام الجمهورية التركية في الربع الأول من القرن العشرين تشير إلى أمرين ثابتين: الأول, أن محاولات الإصلاح، ثم التحديث، ثم تغيير الأساس أو التجديد في الدولة العثمانية، ثم الانسلاخ الكامل من جلدها، كلها نبعت من النخبة على أثر هزائم الدولة العثمانية العسكرية في حروبها مع القوة الأوروبية، أي أنها جاءت كرد فعل على الهزائم العسكرية ثم المعنوية. وكأن رد الفعل يتزايد بعد كل هزيمة عسكرية بشكل مضطرد يدفع بالدولة العثمانية من الأصالة إلى التغريب. والثاني, أن محاولات الإصلاح والتجديد كانت كلها عبارة عن تجاذب بين طرفين هما الإسلام والعلمانية.

ومن الدراسات التي انشغلت بمداخل الإصلاح ومنهجياته دراسة السيد عمر” مداخل الإصلاح في الأمة: جدالات الديني والسياسي”. اهتمت هذه الدراسة بتحديد مداخل الإصلاح في مجالين أساسيين هما المجال الديني، والمجال السياسي. وقد صنفت مداخل الإصلاح إلى فئات ثلاث: مداخل الإصلاح التوحيدية، مداخل الإصلاح الوافدة، والتابعة، ومداخل الإصلاح المختلطة التي تجمع بين المدخلين الأولين. قسمت الدراسة مداخل الإصلاح التوحيدي إلى ستة مداخل هي: المدخل المقاصدي للإصلاح في الأمة، ومدخل التبنى المشروط للخيار الديمقراطي، ومدخل منهاجية إسلامية المعرفة، ومدخل منهج النظر للإصلاح، والمدخل الأصولي للإصلاح، ومدخل الكمنويلث الإسلامي للإصلاح.

أما مداخل الإصلاح الوافدة والتابعة فقد صُنفت في أربعة مداخل وهي: مدخل الأصوليات الغربية المعاصرة للإصلاح في الأمة، مدخل المفاصلة بين الدين الإسلامي والسياسي، مدخل اختزال الدين في البعد الروحي، مدخل تخليق هويات إقليمية مضادة للعروبة والإسلامية. والمداخل المختلطة للإصلاح قسمتها الدراسة إلى أربعة أقسام: مدخل الدستورية الإسلامية المضمون الغربية الوعاء، ومدخل تغيير طبيعية المؤسسة السياسية، ومدخل جدلية الإسلام الجامع، والمدخل الحركي للإصلاح في الأمة.

وقد اهتمت الدراسة ببيان المباني والأسس التي تقوم عليها المداخل المتضمنة داخل هذه الفئات الثلاث، وتحديد إشكالاتها ومقولاتها الأساسية وعوامل نشأتها وأبعادها في الفضاء الفكري.

وقد توصلت الدراسة إلى نتيجة رأت أنها أهم ما يمكن الخروج به من رسم هذه الخريطة الأولية لمداخل الإصلاح في الأمة وهي “أن الأنظمة الحاكمة والقوى السياسية بكافة توجهاتها بما فيها القوى الإسلامية، قد نحت في مبادرتها للإصلاح باتجاه المبادرات الوافدة، أكثر من توجهها نحو مداخل الإصلاح التوحيدية، على الرغم من كل ما أوردته من انتقادات للمبادرات الوافدة. كما أن المدارس الفكرية لا تزال بحاجة إلى فك أسر المفاهيم الإسلامية وإعادة بنائها من الأرضية الإسلامية، من موقع المبادرة، وإعادة بناء الإدراك الإسلامي لعالم المفاهيم. وأكدت الدراسة على أن الإصلاح الحقيقي يستدعي في آن واحد : ضرورة الإبداع المصطلحي والاستقلال، والتفوق المصطلحي على الصعيدين الكيفي والكمي. وأهم مصطلح هو مصطلح الذات.

وهناك أدبيات أخرى اهتمت بمسيرة الإصلاح الإسلامي ومضامينه الفكرية والمعرفية، ومشاريعه وحركاته الاجتماعية والسياسية، مثل دراسة “الشهود الحضاري للأمة الإسلامية” لعبد المجيد النجار، التي تضمنت دراسة حركات النهضة الإسلامية خلال قرنين وتصف القرن وذلك للبحث عن إجابة تساؤل: لماذا لم تبلغ تلك الحركات أهدافها؟ وقد قسم دراسته إلى ثلاث أقسام: الأول: يتناول قضية فقه التحضر الإسلامي، والثاني، عوامل التحضر الإٍسلامي، والقسم الثالث مشاريع الإشهاد الحضاري, وكذلك دراسة أنور الزغبي”مسيرة المعرفة والمنهج في الفكر العربي الإسلامي” والتي حاولت تتبع المسألة المعرفية في مسيرة الفكر الإسلامي في أبعادها التاريخية، والعوامل التي أثرت فيها، من عصور الريادة وصولاً إلى سيرة التراجع والنكوص ثم سيرة الاستعادة واليقظة والنهضة مستعرضاً تيارات الفكر الإسلامي بدءاً من المتكلمين والفقهاء وصولاً بجهود اليقظة والإصلاح في العصر الحديث.

اتفقت المشاريع الإصلاحية التي طرحت في الأمة على عدة منطلقات أساسية في مسألة الإصلاح المعرفي وهي ضرورة العودة إلى الإسلام مصدراً لبناء النهضة المنشودة ومولداً ذاتياً للوعي, ومرجعاً لنموذجها المعرفي التوحيدي, مثل دعوات (العودة إلى الإسلام الأول)

نخلص إلى أهم ما تضمنته أفكار ورؤى الإصلاح المعرفي فى العالم الإسلامي خلال القرنين الماضيين من نتائج ويتمثل في الإشارة إلى عنصرين مثِّلا مدار النظرة المعرفية للإصلاح المعرفي وهما: الموقف من “الغرب” ومشروعه الفكري, وذلك من خلال تقديم قراءة له تختلف عن القراءة الاستلابية التغريبية وأيضاً القراءة التخويفية, فكلتا القراءتان أوقعتا العقل المسلم في مآزق ومنزلقات وتشوهات لم يتعاف منها بعد. وقد انطلقت هذه القراءة من “الوعي بالآخر” الذي هو أيضاً جزء من الوعي بالذات المدركة, وطرحت هذه الجهود تلك القراءة في ضوء عدة محددات هي: إدراك الفكر الغربي في ضوء سياقاته الفكرية والاجتماعية والتاريخية التي تجلى فيها نموذجه المعرفي, النظر إلى المنهج الغربي انطلاقاً من النهج التوحيدي الحضاري المقابل له والمتمايز لأطروحاته, ثم الخلوص إلى العناصر المعرفية ومضامينها الكلية (المفاهيم والقيم والتصورات ومناهج النظر والتفكير)  التي تشكل النموذج المعرفي الغربي وتفنيدها في ضوء رؤية مرتكزة على نموذج متجاوز. 

أما العنصر الثاني فهو “الدين” وهو المشترك الثاني في “الناظم الفكري” بين رواد حركة الإصلاح المعرفي, لا سيما ما يتعلق باعتباره سبيلاً ومصدراً لأي إصلاح مبتغى في الأمة و مصدر بنائها المعرفي الأول ووعاء تصوراته ومفاهيمه الأساسية, وفي هذا الإطار اتفقت المشاريع الإصلاحية التي طرحت في الأمة على عدة منطلقات أساسية في مسألة الإصلاح المعرفي وهي:

1- ضرورة العودة إلى الإسلام مصدراً لبناء النهضة المنشودة ومولداً ذاتياً للوعي, ومرجعاً لنموذجها المعرفي التوحيدي, مثل دعوات (العودة إلى الإسلام الأول), و (العودة إلى فهم السلف الأول للدين), و(العودة إلى الذات).

2- إحياء قنوات الاتصال والتفاعل- تلك التي انقطعت عبر قرون- بين المسلم ومنابع فكره الأصيلة ” الوحي” وتفعيلها, وذلك دون وسائط أو حصون كانت حاجزاً لمباشرة العقل المسلم وظائفه الحيوية في إطار الوحي.

3- التأكيد على إصلاح وإحياء علم الكلام وتجديد مباحثه بما يتناسب مع التحديات الفكرية والمعرفية المستجدة والتي تتصل بالنموذج المعرفي الغربي و محاولة فرض هيمنته على الثقافات والحضارات المعاصرة, بما يحقق الوعي الحضاري للذات المسلمة في تفاعلها مع الغرب ومشروعه الفكري.

وفي ضوء هذه المنطلقات يمكن استنباط مجموعة من “الأسس المعرفية” قدمتها هذه الجهود لاستعادة حيوية البناء المعرفي ومعالجة تشوهاته من خلال عدة محاور:

1-   إعادة اكتشاف “النموذج المعرفي التوحيدي” وعناصره الأساسية: التصورات والمفاهيم وطرق التفكير. 

2-  محورية الذات في “الإصلاح المعرفي” و استعادة بنائها, وهو ما يتطلب طريقين: التخلية ثم التحلية, التخلية مما الصق بها من شوائب, والتحلية بالعناصر والتصورات الأساسية في منهجنا الحضاري.

3-  إصلاح منهج النظر للوحي بما يُمًّكن من استعادة اللقاء المباشر بين العقل المسلم وبين الوحي.

4-  تجديد منهج النظر في التراث, وتناوله بعيداً عن القداسة المفرطة أو الإهمال والترك الكامل.

5-   تشغيل” العقل” المسلم وإحياء دوره في “الاجتهاد” كعامل أساس في بناء المنظومة الفكرية و القيمية التوحيدية وتشغيلها.

باحث في الفكر الإصلاحي الإسلامي الحديث والمعاصر

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان