كانت الفتاتان تقفان بجواري حينما كنت أتحدث في الهاتف حول إصابتي بالسرطان, شهقتا حين سمعتا اسم المرض الذي تعاني منه أمهما, صاروا يعرفون الآن أنه سرطان.
![]() |
كانت الفتاتان تقفان بجواري حينما كنت أتحدث في الهاتف حول إصابتي بالسرطان, شهقتا حين سمعتا اسم المرض الذي تعاني منه أمهما, كنت قد أنهيت جلسة الكيماوي الأولي ومرت دون أن يتجاوز فهمهما لما هو أبعد من “ماما تعبانة شوية “, لكنهم صاروا يعرفون الآن أنه سرطان.
كان التحدي الأكبر بالنسبة لي أن أخلع من نفوسهم الهلع المرتبط بأنهم قد يفقدون الأم قريبا في معركتها مع مرض خطير. كان الأمر مربكا جدا، خاصة وهم يعانون من الحادث الذي أصاب أباهم فأثر على كثير من قدراته, الإحساس بانعدام الأمان هنا كان مركبا ومخيفا أيضا.
أتذكر أنني أجلستهم بقربي, قريبا جدا, وحكيت لهم نظرية ساذجة مفادها أن السرطان مجرد خلايا صغيرة مجنونة، وأن ماما لا يمكن أن تستسلم لهذه الخلايا المجنونة, ثم أخبرتهم أن الطبيب كتب لي دواء غريبا على أهل الطب “على سارة أن تعطي ماما ثلاثة أحضان كل يوم، لأن حضن سارة قد يشفي ماما فعلا”, لم أكن أكذب, أنا أصدق هذا, وأحضان سارة كانت دواء أفضل من الكيماوي والإشعاع وكل أنواع العلاجات المدمرة.
الفتيات هن من أخبرن حمزة بحقيقة مرض أمهم, وحمزة ظل يتعاطى مع قلقه وخوفه بشكل غير معلن, بينما استطاعت الفتيات لأنهن يتحدثن كثيرا في التجربة أن يتجاوزن خوفهن, بعد أيام قالت لي سارة “أنت غيرت وجهة نظري عن السرطان, كنت فاكرة مرضى السرطان بيناموا كده في المستشفى وخلاص, بس أنت أهو قوية وحياتك طبيعية”.
كانت نور تراقب سقوط خصلات شعري, تراقب محاولتي لتحسين شكلي قدر الإمكان, تساعدني على ارتداء ملابسي, في الأوقات التي لم تعد فيها حركتي خفيفة مثلما كانت, تعد لي أكواب الينسون والنعناع والكمادات حين أعاني من نوبات الحمى.
محاولتي للتماسك أمام الأولاد جعلتني أقاوم ألمي وتعبي وأحاول أن تسير الحياة طبيعية قدر الإمكان, لهونا كثيرا معا, وتحدثنا, كنا أصدقاء, وربما من فضل هذه التجربة أنها قربت بيني وبين بناتي، وجعلتنا أصدقاء حقا.
كانت نور تراقب سقوط خصلات شعري, تراقب محاولتي لتحسين شكلي قدر الإمكان, تساعدني على ارتداء ملابسي, في الأوقات التي لم تعد فيها حركتي خفيفة مثلما كانت, تعد لي أكواب الينسون والنعناع والكمادات حين أعاني من نوبات الحمى.
مشاركة التجربة وحصولهم على دور في المسرحية الدائرة في البيت جعلهم شركاء لا مجرد متلقين, جميعنا, كل هذه الأسرة تحارب وحشا يحاول أن يهزم ماما, هي تقاوم ونحن معها.
تلقيت مساعدة حقيقة من الأسرة الممتدة, فقد ساهمت جدة الأولاد في رعايتهم, وكذلك أخواتي, وبعض الأصدقاء كذلك قدموا مساعدات جليلة وكذلك الجيران, ينبغي أن أذكر أيضا الدور الذي لعبه الأستاذ عمرو عبد الرازق المدرس الخصوصي الذي كان يعاون الأولاد لتحصيل ما فاتهم من الدروس رغم الإرباكات العديدة التي مروا بها, لكنه تجاوز ذلك ليصير صديقا للأولاد , وبمحبة بالغة جعلهم يتفوقون في دروسهم.
ربما ساهمت التجربة في إنضاج الأولاد أسرع من سنوات عمرهم الصغيرة, صرنا نعرف أن الأسرة تواجه ظرفا صعبا وأن علينا أن نتعاون حتى نستطيع أن نواصل حياتنا بهدوء, فالتزم كل منهم بدور: حمزة صار يقدم بعض المساعدة في رعاية أبيه, الفتاتان تساعدان الأم, نور الكبرى تساعد أحيانا في رعاية أختها الصغرى, تحميمها, تصفيف شعرها, اختيار ملابسها, بعد قليل من الوقت اكتشفت أن أدوارهم تجاه بعضهم البعض تجاوزت هذه الخطوط البسيطة، فسارة الصغيرة صارت تعاون نور في حفظ الدروس كما كانت تساعدها نور أيضا, وحمزة مسؤول طباعة الورق وتشغيل الكمبيوتر, وشرح بعض الصعوبات للصغيرات أحيانا.
![]() |
صرنا نعرف أن المرء قد يمر من وقت لآخر بابتلاء صعب, وأنه قد يدرك لاحقا أن لهذا الابتلاء جوانب إيجابية, ذلك الذي نسميه اللطف الخفي, لذا فالدرس هو ألا نجزع, صرنا نرى أنه بالإمكان أن نخوض معركة صعبة للغاية, لكن لحظة النصر في النهاية هي لحظة سعيدة جدا لا تقدر بثمن.
النجاح في المعارك الصغيرة لا نحظى به دائما حين نعيش حياة رتيبة بلا تحديات, لكن ها هم قد شاهدوا أمهم تخوض تجربة المرض وتنجو وتستعيد حياتها شيئا فشيئا, وحتى بابا الذي كان مثالا نموذجيا ليأس الأطباء يشفى ويتحسن ويستعيد حياته, ببطء نعم, لكننا نسير في طريق, أن ترى خطواتك على الطريق لهو أعظم الأمل.
في النهاية لا أقول أنني أربي أطفالا مثاليين, يتجاوزون مشاكل من هم في سنهم, هم رائعون لأنهم استطاعوا أن يكونوا مثل كثير من أقرانهم بالرغم من التجربة الصعبة التي مرت بها الأسرة, هم أطفال طبيعيون في حياة غير طبيعية, ولذلك فهم رائعون حقا.
كاتبة وإعلامية مصرية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


