داليا يوسف تكتب: عقوبة أن تكون خبيرا استراتيجيا

ما تعرض له هشام جعفر من انتهاكات وأذى يوحى لأي متابع بأن الامر لن يتوقف عنده, وأننا أمام استئناف خطوات متتاية لمصادرة المجال العام في مصر بشكل كامل. يتبع

 داليا يوسف/ كاتبة مصرية

مر بمرحلة يصعب وصفها ، و يمكنك تخمين أنك إذا كنت صاحب درجة من الثقافة و قدرات تحليلية و خبرة بحثية ما ، فغالبا أنت مخير حاليا ما بين أن تتحول – رغم سوء سمعة اللقب – إلى خبير استراتيجي تعمق تصورات السلطة و تؤسس لانتهاكاتها وتقدم تنويعات على نغمتها المملة لبث أفكار و مخاوف بعينها ، وبين أن تكون معزولا وسط أوراقك تراهن على الوقت الذي تأخذ فيه أفكارك مكانها بين الناس …

 أما إذا  حاولت أن تضع أفكارك محل اختبار و مناقشة و لو في إطارمحكم ومحدود ب “قوانين دولة” (غير ملتزمة بالقوانين أصلا) فأنت معرض لضياع حقوقك و ربما حريتك .

 بالتأكيد الموضوع  ليس مفاجئا لأى منا وسط دراما تعدد أنماط الانتهاك من المداهمة و القتل الفورى الى الاختفاء القسري الى  القبض على عريس في ليلة زفافه الى معتقلى العزاء و السحور و الدرس و … ربما تصعب هذه الدراما اليومية المتصاعدة من لفت النظر للجريمة التي وقعت ضد أستاذي هشام جعفر باعتقاله بعد اقتحام مؤسسة مدى للتنمية الإعلامية التي أسسها ويرأسها حاليا ، و بصرف النظر عن الالم الشخصي العميق الذي أصابني بعد اعتقال أستاذ هشام  الذي اشرف بمعرفته و بقربي منه,  وأدين له بالكثير (و عما تلاه مباشرة من اعتقال المميز الموهوب  أ.حسام السيد)  ، بصرف النظر عن هذا الالم الذي اشارك فيه أسرته و محبيه، أدعو لرؤية الأمر في إطار أوسع ، إطار يبرز عقوبة السلطة لمثقف على كسر عزلته وفقا لاختياراته ، فأستاذ هشام  لم يتماهى مع هذه السلطة و لم ينعزل ، ولكنه حاول تطويع المساحة المتآكلة من المجال العام – رغم خطورة المجازفة – و عمل عبر مؤسسة مجتمع مدنى صاغ رؤيتها المرتبطة بتطوير الافكار و البحث و دعم مبادرات مجتمعية تعاون في أغلبها مع ما يعرف بمؤسسات ” وطنية” و أخرى دولية ضمن أطر معروفة علنية وشفافة …

ما تعرض له هشام  جعفر من انتهاكات و أذى يوحى لأي متابع بأن الامر لن يتوقف عنده وأننا أمام استئناف خطوات متتاية لمصادرة المجال العام في مصربشكل كامل.
 
إذا كنت  قد حالفك الحظ مثلى بمقابلة أستاذ هشام جعفر منذ 15 عاما،  كنت ستقف أمام باحث جاد متأمل منكفئ أكثر على تطوير أفكاره و مساهماته.. يحظى باحترام و محبة  من أساتذته و أصدقائه ، و إذا كنت تصغره فحتما كان سيلفت نظرك مثلما كنا نراقبه بإعجاب وهو يحلل الامور بدقة توحى باتساع ثقافته و قدراته البحثية.
المفارقة أنه في مجتمع عادة ما يدفع فيه المنصب صاحبه للانغلاق و الشللية ، كان تولى أ. هشام جعفر لمنصب رئيس تحرير موقع إسلام أون لاين .نت  -في رأيي – دافعا له لمزيد من الانفتاح يمكنه من تحمل المسئولية ، دفع المنصب  أ. هشام لاعادة تطويع قدراته التنظيرية والتحليلية لإدارة الافكار و الناس.
 ساهم هشام جعفر بقوة في دفع الموقع لنجاح كبير بخطوات واسعة و واعية  ، و كانت إدارة البشر تعنى تورطا أكثر  في مشاكلهم المهنية بل والاجتماعية ، بادل أ.هشام  الجميع  المحبة و الاهتمام و حظى باحترام وتقدير عظيمين، و لمع كنموذج يصعب تكراره  في الفهم  و النشاط  و الرغبة في التجديد و قبول المختلف بصورة  لا يجاريه فيها حتى الاصغر سنا …
يحتار الأمنيون في تصنيف تجربة إسلام أون لاين ، لكن أ. هشام كان من بين الفريق الأساسي الذي صنع جمهوراً من المتابعين للموقع  تفهم مع الوقت كيف كان الموقع مدرسة مهنية منفتحة على الواقع ، تمتعت بدرجة كبيرة من الاستقلال و أديرت بشكل استثنائي يتجنب استغلال العاملين و هو ما قد يفسر كيف انتجت التجربة أفكارا عابرة للايديولوجيات وساهمت في تكوين كوادر وعلاقات إنسانية يصعب حصرها …   
 يتمتع أ.هشام  بدرجة كبيرة من  الوضوح و الاتساق الأخلاقى و قد يخطئ من لا يعرفه فيحسب أنها مثالية تفصله عن الواقع لكنه يملك أدوات فهم هذا الواقع الكئيب ربما بشكل يفوق  كثيرا من البراغماتيين ، و هو فهم لا يمنعه من التسامح الذي لا يبذل مجهودا في ممارسته لانه قائم على اقتناع عميق بحرية البشر في التفكير والاختيار .  
و على ذكر التفكير ، يملك أ.هشام إخلاصا كبيرا لفضيلة التفكير الغائبة ، لذلك لم يكن غريبا – بعد مصادرة حقوقه و اعتقاله  – أن يتندر زملاء أ. هشام  وتلامذته بألم بعدما تردد أنه  يسعى لتعريف المفاهيم و المصطلحات للمحققين  و تحرير معناها حتى لو كانت تطرح عليه عبر أسئلة و اتهامات ملفقة ، و هي درجة من الاستقامة في النظر  و التحليل يصعب استيعابها هذه الأيام تحديدا. 
 يصنع أ.هشام انحيازاته  بشكل مستقل و هو أمر مربك لأنظمة وأجهزة مهمتها تصنيف الناس وتسديد الخانات … 
يمكن أن يجيب نمط أ. هشام في الأداء و التفكير على سؤال إمكانية انتمائه  لتيار أو لتنظيم  بعينه ، باختصار هو غير متلائم مع هذا الاختيار … لكنى أعتقد في الوقت نفسه أن استقلال أ. هشام  لا يمنعه من الايمان بأن الانظمة شبه المحترمة تحاسب الناس على وقائع و جرائم بعينها لا على محض اختياراتهم  للانتماء لحزب أو لتيار بعينه. 

على الاعتراف بأنني محظوظة بوجود عدد من الأساتذة المميزين في حياتي ، ربما استطيع الكتابة عنهم يوما ما تفصيلا  بعد أن يسترد أ. هشام حريته و يكون بيننا … أساتذه تتعلم منهم عبر نموذج اشبه بتعلم صنعة وآدابها … نموذج للتعلم يخلط  المناقشة ، المراقبة و المعايشة  …
لكن أ. هشام كان الاقدر من بينهم على مساعدتى في تحويل ما اطنطن به إلى خط افكار واضح ، أنا مدينه له ب ونس كبير وتبديد لوحشة الأفكار عبر جلساتى معه في مكتبه المليء بالمتابعات ، يبدأ بيننا النقاش و يستطيع أ. هشام كعادته أن يرسم خرائط الافكار و يربط ما بين اليومي و القضايا الممتدة ،  وقد كان الأكثر دأبا – خاصة مؤخرا-  على متابعتى و دفعى للبحث و الكتابة ، مجرد مراقبته في طريقة إدارته للعمل و للحوارات كانت تبعث على الراحة … الراحة لوجود شخص بهذه القدرة على  الاستمرار  في تحويل أفكاره  إلى طاقة عبر قناعات لا يبذل أي مجهود في ادعاء الالتزام بها أو في دفع غيره لتمثلها … هو فقط يمارس ما يؤمن به …
حينما صودرت تجربة موقع إسلام أون لاين من قبل إدارة جديدة وقف أ.هشام  بجوار عدد كبير من أساتذة وزملاء في اعتصام للعاملين بالموقع – في مارس 2010-  تضامن مع الموقع وقتها عدد من المدونيين و الباحثين والنشطاء ، و بعد إغلاق الموقع كان أ.هشام الأكثر إصرارا على أن يبدأ عملا يربط فيه بين الإعلام و المجتمع المدنى و يعيد تعريف التنمية الانسانية عبر أنماط إدارية أكثر استقلالا و تعددا .
 في رأيي أن  المسافة بين الاصلاحي و الثورى تتقلص لدى هشام جعفر و تصبح اختياراته أكثر تركيبا من السائد عموما ، انحيازه لثورة يناير و تعريفه للحظة رحيل الفرعون لأول مرة في تاريخ مصر  لم يمنعه من مراجعة مسارات الثورة و استخدام أدوات النقد و التحليل لأداء الاطراف المختلفة من التيارات الثورية إلى مؤسسات الدولة إلى الإسلاميين ، خاصة أثناء وجود الإخوان في السلطة ، و استمر في المحاولة حتى بعد إزاحة الاخوان من السلطة وسط عنف غير مسبوق من أجهزة الدولة وتصدعات مجتمعية كبيرة ، و كان هدفه عبر هذه المراحل المختلفة السير باتجاه مجتمع أقوى عموما و استرداد الناس للدولة و منفعتهم ،  و هو في هذا ينفتح كعادته على طيف واسع من الفاعلين تتفاوت درجات الاتفاق و الاختلاف فيما بينهم  ، قد يختلف البعض معه في تقييم ما ذهب إليه من اجتهادات، لكنك لا تملك سوى احترامه على ما أسس له  من عمل بحثى و مجتمعى  وسط ما نعايشه الآن.
قابلت أساتذه وأصدقاء يروا أن ما تصدى له هشام جعفر في عمله عبر مؤسسة مدى –  من تطوير بحوث و برامج فض النزاعات الأهلية أو تقديم أفكار لربط العمل البرلماني بالمجتمع المدنى أو تطوير الخطابات و المناهج الفكرية لرؤية قضايا المرأة والأسرة في الإسلام و غيرها من خطوط اهتمام  – هو نموذج ناجح في تحويل الأفكار النظرية لتطبيقات ، و هو أمر ظهر تعثر أقسام العلوم السياسية و الاجتماعية بالجامعات و المراكز البحثية في تحقيقه …  تعثر برز بوضوح بعد الثورة و مراحلها انتقالية المختلفة وانعكس في ندرة توفر الكوادر السياسية و البحثية  القادرة على رفع الواقع و مفاوضة السلطة ، دون التماهي معها ، بهدف خدمة الناس.
لقد استطاع أ. هشام عبر السنوات القليلة الماضية أن يؤسس لعمل نوعي جديد يضاف لما قدمه سابقا ، واحترف تحويل الأفكار لبرامج عمل حتى لو كان عبر نماذج مصغرة و محددة، و تركزت متعته في الإنجاز ، ربما لهذا كان  قلق ابنته الصغرى ” ربا ” لانها تعرفه و تتخيل معاناته  ، ليس فقط لانه الآن معتقل في اسوأ سجون مصر – في العقرب- حيث الحرمان من أبسط الحقوق و لكن لأن الاعتقال يعنى توقفه عن عمله الذي يعشقه. 

تذكرت وأنا أكتب عن أ. هشام  زيارة  لـ د. أحمد عبد الله رزه في 2001 في مركز الجيل الذي أسسه بمنطقة عين الصيره ، أشار المناضل الطلابي للمساحة التي يحتلها المركز و أخبرنا أنه قد “حرر” هذه القطعة من الأرض  و هو يعمل عبرها ، كان مركزه يصدر دراسات هامة عن الشباب والحركة الطلابية و كان ينشط وسط  الأطفال  العاملين في المحاجر المحيطة بالمنطقة ، كان المشهد وقتها – بالنسبة لى – مثيرا للحزن أن يتم اختزال كل احلام التغيير بعد هذه السنين في هذه المساحة المحدودة رغم نبل أهدافها ، الآن اكتب عن أ. هشام و نحن نفتقد حتى لهذه المساحات المحررة من المجال العام التي تسمح لمثقف أن يختبر أفكاره ، بل و أن يودع المثقف سجان عقابيا مشددا لمجرد أنه يقوم بعمل بحثى و حوارى معلن و أن يحدث هذا في إطار تصاعد غير مسبوق للانتهاكات والانحطاط بوجه عام  ….
يمكننا الاعتراف بالهزيمة، ولكن يصعب الاستسلام الكامل أمام مصادرة الحقوق و الأفكار
 
للتوقيع على بيانات مطالبة بإطلاق سراح هشام جعفر و حسام السيد
http://www.ipetitions.com/petition/
https://secure.avaaz.org/en/petitio

للمتابعة والتضامن
https://www.facebook.com/hesham.gaa

#هشام_جعفر
#أفرجوا_عن_هشام_جعفر
#متضامن_مع_سجناء_الرأي
#حسام_السيد
#الحرية_لحسام_السيد
#أكتب_عن_هشام_جعفر

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان