كنت أعمل وقتذاك -العام 2004- في مؤسسة الأهرام ورئيس تحريري الأستاذ “أسامة سرايا” الرجل لا يقبل نوعية العمل التي أقدمها، فكيف سيتقبل قصة تحقيق صحفي استقصائي؟.. يتبع.
![]() |
من حين لآخر أذهب إلى الـ other متصفحا الرسائل التي لا تظهر في ال inbox
هذا الأسبوع حمل لي الـ “other” رسالة من نوع خاص: أنا أحمد ابن العمدة نوفل.
توقفت طويلا، تائها بين كلمات الرسالة المقتضبة، ذاهبا إلى عشر سنوات مضت على اقتحامي حصن خط الصعيد المحاصر بالمدرعات ومئات الضباط والعساكر حاملي الجرينوف والمدافع الرشاشة.
لم تكن مغامرة صحفية ولا مخاطرة. كانت دعوة إلى الموت ممهورة بتوقيع موافقتي. دعوة إلى الموت يسكنها بريق الطموح في عيني صحفي شاب يكاد يقتله فضول المغامرة الصحفية.
الأنباء القادمة من جنوب مصر تخبرنا أن رجلا يدعى “نوفل سعد ربيع” قتل ما يزيد على مئة شخص، ويزرع عددا من أفدنة مخدر الحشيش والبانجو، ولديه ترسانة أسلحة للتجارة، وعشرات الرجال المدججين بأحدث الأسلحة، يسكن قلعة في بطن الجبل حيث قرية ” حمرة دوم”- ترمز إلى الدم القاني- في نجع حمادي، حوالي 750 كيلومترا جنوبي مصر.
مانشيتات الصحف وبرامج التوك شو تخبرنا أيضا أن ضباط الشرطة يصابون بالرعب ويولون الأدبار إذا ذكر اسمه.
على الجانب الآخر الشعبوي، هناك روايات تحكى وتقال وتنتشر أكثر خيالية من حكايا أمنا الغولة عن هذا الرجل!
إنها أخبار تفتح شهيتي في رحلة إلى المجهول الذي أريد تحويله للحم ودم وورق وحبر.
كنت أعمل وقتذاك -العام 2004- في مؤسسة الأهرام ورئيس تحريري الأستاذ “أسامة سرايا” الرجل لا يقبل نوعية العمل التي أقدمها، فكيف سيتقبل قصة تحقيق صحفي استقصائي، قد لا يفضي إلى شيء، وينتهي بعدم مقابلة الخط؟
العكس تماما، انفتحت شهية “أسامة سرايا” مثلي، ربما وجد في هذا التحقيق فرصة للخلاص مني!
رحت أعرض الفكرة على زملائي المصورين، عدد منهم اعتذر كلما سمع سيرة الخط الطيبة!
وهنا اقترح “سرايا” ألا أخبر المصور بشخصية الرجل، بل ندعي أننا سنذهب لحضور صلح ثأر بين قبيلتي الهوارة والعرب مثلا.
تسع ساعات هي المسافة الفاصلة بيننا وبين مجد صحفي أو موت محتوم، بين حقيقة نحاول كشفها، ووقائع تفرضها علينا بيانات وزارة الداخلية، بين رجل من لحم ودم يقتل من دون سبب حسب تصريحات مساعد اللواء “حبيب العادلي” وزير الداخلية، وبين القصص الخرافية عن هذا الرجل القادمة من الجنوب.
توجهت وزميلي الأستاذ “أحمد عطا الله” وزميلنا المصور الصحفي “معتز عبد الحق” إلى محطة سكة حديد رمسيس لحجز تذاكر السفر، لكننا لم نجد تذاكر، فقررنا صعود أول قطار متجه إلى الصعيد من دون حجز، وكان قطار منتصف الليل يشق الظلام ذاهبا بنا إلى المجهول!
كانت فرصة طيبة أن ينضم “عطا الله” إلى مؤسسة الأهرام، بدلا من صحيفة ” عين” الخاصة، ورتب ذلك معنا الأستاذ “مجدي الجلاد” رئيس قسم التحقيقات، فأحمد يعرف الخط وعائلته جيدا، وحصل على موافقته على اللقاء وأن نجري الحوار معا.
تسع ساعات هي المسافة الفاصلة بيننا وبين مجد صحفي أو موت محتوم، بين حقيقة نحاول كشفها، ووقائع تفرضها علينا بيانات وزارة الداخلية، بين رجل من لحم ودم يقتل من دون سبب حسب تصريحات مساعد اللواء “حبيب العادلي” وزير الداخلية، وبين القصص الخرافية عن هذا الرجل القادمة من الجنوب.
تسع ساعات قضيناها وقوفا في القطار ونوما بين المقاعد، وخوفا. لم يتخلل فجرها سوى مكالمة من خط الصعيد تخبرنا أن الخلاص الأبدي لنا الدفن أحياء إذا شمت الداخلية خبرا!
على رصيف محطة سكة حديد نجع حمادي كان دليله ينتظرنا، وحملنا إليه عبر سيارة تحمل معنا حيوانات غير ناطقة.
في منتصف المسافة، وبينما لم يكن يقطع صوت هواء الجبل سوى صوت الأبقار والجواميس التي في السيارة نصف النقل، رن هاتف الدليل:
أيوه يا عمدة، أوامرك، حاضر.
ما إن أغلق الهاتف حتى طلب من السائق أن يستدير عائدا.
ارتبكت سائلا عن السبب، فأخبرني أن الخط يريد جوال فحم.
بدأ المصور يتفهم بعض ملامح المهمة فسألني: ليه جوال فحم؟
قلت له: أكيد هيشوينا. فأجابني صمته الحائر.
وصلنا إلى بيت الخط: بيت كبير، مترامي الأطراف، محصن بحيطان عالية، ورجال ملثمين أعلى الحيطان في حصونهم، وأسلحتهم في أيديهم. حول البيت حفرة دائرية من كل ناحية، تشبه القناة الصغيرة، ممتلئة بالماء، عرفت فيما بعد أنها لتعيق دخول المدرعات إلى البيت.
ما إن فتحت البوابة حتى خرج أزيزها العالي، كأنه صرخة حرية كتمت منذ سنوات، فإذا بأحد الرجال يضع سلاحا بجوار أذني جاذبا أجزائه.
يخرب بيتك دول جايين للعمدة نوفل. صرخ الدليل، لكنه لم يوقف صراخ قلبي، ولا ركبي!
قبل العبور جذبني المصور من ذراعي:
هو احنا هنقابل مين؟
أبدا ده خط الصعيد اللي بيقولوا إنه قتل 150 واحد.
نزع المصور الكاميرا من ذراعه وقال لي:
خد يا عم الكاميرا أنا مش ها أصور.
ليه؟
ممكن يخليهم 152 أنا مروح.
قلت له: فات زمن العودة يا صديقي.
ولذلك قصة أخرى في الأسبوع المقبل.
صحفي مصري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

