قبل عامين تقريبا، بينما أسير في طريقي إذ وقع بصري علي سيدة عجوز تفترش الرصيف؛ غارقة في دموعها؛ تنظر للسماء وتلهج بالدعاء، لا يبدو من مظهرها أنها تتسول. يتبع
![]() |
| هاجر ثروت |
قبل عامين تقريبا، بينما أسير في طريقي إذ وقع بصري علي سيدة عجوز تفترش الرصيف؛ غارقة في دموعها؛ تنظر للسماء وتلهج بالدعاء، لا يبدو من مظهرها أنها تتسول؛ بل إنها لا تلقِ بالا لمن يمر أمامها من البشر.
دنوت منها متسائلة “ليه بتبكي يا حاجة؛ أقدر أساعدك؟”. نظرت إليّ بعيون حائرة ملؤها القهر وقالت بلهجتها الشامية: “لا يا بنتي ما بريد شئ، ما لنا غير الله”.
ابتلعت أنفاسها ثم واصلت الحديث: “بعد الثورة انضم رجالة العيلة ومنهم أبنائي للجيش الحر وبعتوني والأحفاد وزوجة ابني لمصر.. من يومها ما بيفوت شهر إلا ويدق الهاتف وأعرف خبر موت حدا منهم .. 3 من أبنائي راحوا في القصف.. ما شفتهم من شهور وما راح شوفهم تاني.. ما راح شوفهم! الله يلعنه الأسد، الله ينتقم منه. ما بيدي شئ اسويه.. باجي هون ع المسجد.. بيت الله.. أبكي حتي يبرد صدري”.
ثم نظرت للسماء وقد انخلع قلبها من فرط البكاء و ظلت تردد “ما لنا غيرك يا الله”.
تذكرت هذا المشهد بينما أتابع إعلان تركيا عن إسقاطها طائرة عسكرية روسية اخترقت مجالها الجوي بعد تحذيرها 10 مرات.
وسرعان ما انتشر مشهد الطيار الروسي وهو مُلقى بين الأدغال قتيلا بزيه العسكري وحوله الأصوات تتعالي مكبرة ” الله أكبر “.
رأيت وجهه ملطخا بالدماء ووجدتني علي غير العادة أطيل النظر إليه دون أن يزعجني رؤية قتيل في هكذا منظر !
بين تقاسيم وجهه رأيت مئات الأطفال ممن استحل الروس دماءهم، ودوى في أذني صراخ السيدة العجوز. ربما كان ذلك الطيار القتيل في طريقه لتنفيذ مذبحة جديدة، ولربما أيضا شن سابقا ضرباته علي الأبرياء العُزل مُخلِفاً وراءه المئات من الضحايا (نحسبهم شهداء ولا نزكي علي الله أحد).
روسيا وهي الحليف والداعم الرئيسي للأسد في عدوانه علي شعبه الأعزل؛ خرج رئيسها بوتين ليصف عملية إسقاط طائرته العسكرية بأنها طعنة في الظهر من داعمي الإرهاب، طائرته التي كانت في طريقها لدك المنازل والمدارس علي رؤوس الأطفال والكبار؛ لكن كما جاء في الحديث الشريف (…إذا لم تستحِ فافعل ما شئت)، ويبدو أن بوتين ورفاقه لا يستحون!
سوريا أو سُورِيَة -كما يحب أن يسميها البعض -بعد نحو 5 سنوات من كفاحها المرير وسعيها لنفض الاستبداد أضحت مسرحا تتصارع عليه القوي الكبري؛ الكل يسعي لبسط نفوذه وتحقيق مصالحه علي حساب السوريين. الكل يسارع للدخول في اللعبة ليحجز مقعده وقت توزيع الغنائم.
روسيا وإيران ومصالحهم مع بقاء نظام الأسد حيا ولو حتي علي سرير الانعاش. تنظيم الدولة وأهدافه الخاصة في سوريا. المعسكر الأمريكي الذي يردد رفضه لنظام الأسد بينما يصمت بوقاحة ومكر عن جرائمه وكأنه مكتوف الأيدي. تركيا تسعي لفرض نفوذها علي حدودها وحماية سيادة أراضيها (ولا نقلل هنا من دور تركيا في دعم القضية السورية ولكنه يبقي بغير نتائج ملموسة بخلاف احتضانها لللاجئين السوريين؛ فتركيا كعضو في الناتو ليس بمقدورها أن تحلق بعيدا عن السرب وإلا أضرت بمصالحها وربما يُحسب لأردوغان شرف المقاومة الفَطِنة إن جاز التعبير) .
أما عن العرب فحدِث ولا حرج فمنهم من يَغُطون في سبات عميق، ومنهم من يخوضون حروبا بالوكالة فيتكفلون بتحقيق مصالح أعدائهم حتي إن منهم من يشن حملات علي تركيا لتطاولها علي روسيا بل ويدشنون هاشتاج اغضب بوتين! لم أرَ أناسا يعشقون الانبطاح مثلهم!
بين كل ذلك تقف سوريا وحيدة ويبقي السوريون بمفردهم تحت النار يلاقون الويلات بوطنهم حتي إذا فكروا بالهروب لاقوا الهوان أضعافا!
وسط صمت فج من العالم الدولي يرتكب الأسد وميلشيات حلفائه مذابح جماعية بحق الأطفال في حمص وإدلب ودوما وغيرهم، ويواجه السوريون التجويع والتفجير والغازات السامة ليل نهار.
بحسب الإحصائيات الرسمية الموثقة للمرصد السوري لحقوق الإنسان هناك ما يقرب من ربع مليون سوري قتلهم الأسد وأكثر من 4 ملايين لاجئ شردهم النظام الجائر (وفق تقارير المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)؛ إضافة إلى آلاف من المفقودين والمصابين والمعتقلين بسجون النظام.
لا أحد يفكر في الأوضاع الإنسانية لملايين السوريين بعد 5 سنوات من الدمار. كيف يعيشون، ويأكلون، ويمارسون حياتهم تحت القصف المستمر وفي ظل حصار يفرضه الأسد في إطار حرب تجويع يشنها ضدهم.
اغتصب الجميع وطنهم وجعلوه وجبة ساخنة علي طاولة مفاوضاتهم المزعومة، وباتوا يتلاعبون بمصير ملايين من الأحرار الشفراء.
ساهم العالم بصمته المُخزي في تغول نظام الأسد وشبيحته، وصار المشهد السوري أكثر تعقيدا.
بمباركة الأسد تُسلم سوريا لغير شعبها؛ بينما تفرق السوريون بين البلدان هربا من الجحيم. رحلوا عن سوريا بأجسادهم وبقيت قلوبهم معلقة بدمشق.
هنا في مصر بقالة صغيرة يملكها سوريٌ تحمل اسم ” سوريانا “.. نعم هي سورياكم.. سوريا الشعب الحر الأبي. لا سوريا الأسد وميلشياته ولا سوريا روسيا وإيران.
يا رعاة الإرهاب الحقيقي ارفعوا أيديكم المسلحة عن سوريا؛ كفوا عن فرض وصايتكم علي الشعوب بدعوي الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وأنتم أبعد ما تكونون عن كل ذلك.
أعيدوا سوريا لشعبها .. لملموا حثالتكم وارحلوا قبل أن تبتلعكم مقبرة الغزاة.
هاجر ثروت
مدونة وباحثة مصرية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

