رضا حمودة يكتب : الاصطفاف الحرام

محمد مرسي لا يمثل جماعة الإخوان المسلمين كما يروجون ، بل يمثل غالبية الشعب الذي انتخبه ، لأن عودته هي الضامن لعدم تكرار نفس السيناريو في المستقبل .يتبع

 رضا حمودة / مدون مصري

ثمة شعور بالارتياب بات ينتابني عندما أسمع أو أقرأ عن مبادرة جديدة للاصطفاف الوطني ، لا سيما إذا خرجت من تيار ليبرالي أوعلماني لطالما تشدق بالحرية واحترام حقوق الإنسان ، والإرادة الشعبية ، والاحتكام للديمقراطية<  وضرورة التعددية السياسية ، ثم ما لبث أن تخلى عن كل تلك المباديء الجميلة مع كل اختبار ديمقراطي اجتازه التيار الاسلامي وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين، لتصبح ديمقراطية على المزاج وتعددية سياسية حسب المصلحة وتحت الطلب.

يكثر الحديث عن مبادرات وبيانات قبيل اقتراب أي فعالية ثورية (ذكرى 25 يناير نموذجاً) عن ضرورة الاصطفاف والالتحام بين شركاء ثورة 25 يناير المختطفة ، ولملمة جراح الماضي القريب ، والقفزعلى المصالح الأيديولوجية الضيقة ، وتضييق الخلافات الحزبية لعبور المرحلة الراهنة ، لكنها لا تعدو أن تكون مبادرات حبر على ورق ماتت قبل أن تولد ، لأنها تفقد الغطاء الشعبي اللازم لنجاحها ، ذلك أن من يتحدث من الغرف المكيفة بعيداً عن آلام الشعب الحقيقية في الشوارع والمعتقلات الذين يدفعون الثمن الباهظ لاسترداد الحرية ، لا يمثل إلا نفسه.

 
يصر الكثير من الداعين للاصطفاف الوطني وعن عمد وبخبث مكشوف أن يتجاوزوا الإرادة الشعبية التي يتغنون بها ليل نهار ، عندما يسقطون حق عودة الرئيس المختطف محمد مرسي للحكم ، وكأنه جاء للحكم بانقلاب أو بقوة السلاح وهو الذي انتخبه الشعب المصري بحرية وشفافية لأول مرة في التاريخ ، وكأنها قضية شخصية مع الإخوان المسلمين التي خرج من رحمها الرئيس مرسي أو التيار الإسلامي قاطبةً لا يريدون له أن يحكم أو يشارك في الحكم بمرجعيته الإسلامية النابعة بالأساس من هوية الأغلبية الساحقة للشعب المصري.

 
جاء بيان حركة 6 أبريل الأخير مستفزاً أكثر من اللازم ، حيث أعتبره رِدة أخلاقية للحركة ، ذلك أنه بلا طعم ولا لون ومائع الفكرة والمضمون ، ولا يخدم بنظري سوى سلطة الانقلاب ، بل وأستطيع أن أزعم أن البيان كُتب لانقاذ النظام من الغرق الوشيك ، خشية تصدر الاسلاميين مشهد الحكم مرة أخرى ، ربما خوفاً من هاجس الانتقام جزاء تواطؤهم مع العسكر في السر والعلن بهدف إزاحة الإخوان من الحكم حتى ولو بشكل غير ديمقراطي كما حدث في 3 يوليه 2013.

البيان مفخخ من عنوانه ” قبل الطوفان ” في إشارة واضحة لتحركات الذكرى المرتقبة الخامسة لثورة 25 يناير ، وكأن الحركة أرادت أن تنتشل الانقلاب من الغرق قبل طوفان 25 يناير كما ألمحت ، فلم يذكر البيان من قريبٍ أو بعيد كلمة ” انقلاب ” ، ولم يحدثنا عن مستقبل أومصير نظام عبد الفتاح السيسي ، ثم اختصر أزمة البلاد في وضعها الاقتصادي المتردي عبر الدعوة لحوار مجتمعي يقرب وجهات النظر ، ويُقلص الهوة فيما بين القوى السياسية ، على أن يكون على أجندة الحوار تشكيل حكومة تكنوقراط ذات توجه اقتصادي بحت تخرج بالوطن من عثرته الاقتصادية ، وتدشين ميثاق شرفإاعلامي حسبما قال البيان.

 
المثير في البيان عندما دعا  نصاً إلى بدء ترسيم العلاقات المدنية العسكرية بشكل يحفظ للوطن قوات مسلحة ذات هيبة ، ويحفظ كذلك للوطن حياة سياسية ديمقراطية رشيدة ، قبل أن تحدد لنا الحركة تفصيلاً كيف يتم ترسيم هذه العلاقات؟، ومن الذي سيقوم بترسيمها؟، وما هو دور القيادات العسكرية الحالية في هذا الترسيم؟، وقبل هذا وذاك من هو الوكيل أو المتحدث باسم الطرفين المدني والعسكري؟!، أسئلة كثيرة فجرها البيان الباهت ،لا تصب في النهاية إلا في مصلحة الانقلاب الذي يُمثل له طوق نجاه قبل الطوفان (بتعبير الحركة) ، ولا يُحقق إلا مزيدا من الاستقطاب والانقسام والبلبلة.

 
أما أكثر ما استفز الذين يحترمون تاريخ الحركة النضالي القصير ، أنها فرطت في نهجها  الثوري ، وانحرفت عن (ثوريتها) المعهودة ، عندما أكدت في تغريداتها الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي أنها اختارت الحوار على الدعوة للتظاهر أوثورة جديدة حقناً للدماء ، وانقاذاً للوطن ومقدراته ، ليبرز تساؤل منطقي : منذ متى والحركة تفكر في مقدرات الوطن والدماء,  عندما كانت تدعو للثورة ليل نهار أواخر عهد مبارك ، وأثناء حكم المجلس العسكري ، وكل يومٍ تقريباً في عهد الإخوان, حتى أنهم تظاهروا بالملابس الداخلية أمام منزل وزير الداخلية وقتها مستغلين أجواء الحرية غير المسبوقة التي أمنوا فيها العقوبة؟! ، الأمر الذي يُمثل رِدة خطيرة في أدبيات الحركة (الإبريلية) الثورية بالأساس.


إن الاصطفاف الذي يبيع دماء الشهداء سواء كان الداعي 6 إبريل أوغيرها من الشخصيات الوطنية والثورية أو حتى المحسوبة على التيار الإسلامي دون أن يضمن عودة الحقوق لأصحابها وفي مقدمتها  الإرادة الشعبية المغتصبة متمثلةً في الرئيس المنتخب محمد مرسي ، يعد جريمةً لا تقل جُرماً عن الانقلاب ذاته ، ذلك أن محمد مرسي لا يمثل جماعة الإخوان المسلمين كما يروجون ، بل يمثل غالبية الشعب الذي انتخبه ، لأن عودته هي الضامن لعدم تكرار نفس السيناريو في المستقبل ، حيث أن من أتى بارادة شعبية عبر صناديق الديمقراطية لا يُعزل إلا بنفس الصناديق ، وليس عبر الدبابة.

رضا حمودة

مدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان