مطالعةٌ سريعةٌ لوسائل الإعلام المؤيدة للثورة والمؤيدة للانقلاب والأجنبية؛ تدرك بها أن مسألة ضعف الإقبال الشعبي على هذه الانتخابات أمر متفق عليه ومعلوم بالضرورة. يتبع
![]() |
انتهت المرحلة الأولى من انتخابات برلمان الانقلاب وسط اعتراف الجميع بضعف الإقبال الشعبي عليها.. ومطالعةٌ سريعةٌ لوسائل الإعلام المؤيدة للثورة والمؤيدة للانقلاب والأجنبية؛ تدرك بها أن مسألة ضعف الإقبال الشعبي على هذه الانتخابات أمر متفق عليه ومعلوم بالضرورة.
أصاب هذا الإقبال بادي الضعف جموع مؤيدي الثورة بالفرح والنشوة.. وبالغ بعضهم حتى عَدُّه دليلا على تهاوي الانقلاب وترنُّحه وقرب انهياره .
رفقًا أيها الإخوة؛ فإن الأمر بحاجة إلى نظرة عقلانية وقراءة موضوعية دون مبالغة.. حتى نحدد من المستفيد من هذا الضعف الشديد في الإقبال وإلى أيّ مدًى تصل هذه الإفادة.. وحتى نصل إلى دلالة الحدث من كافة زواياه وليس من خلال زاوية وحيدة .
أولا: ضعف الإقبال الشعبي على صناديق الاقتراع برغم دعوة السيسي ووسائل إعلامه إلى الاحتشاد؛ يصلح أن يكون دليلا على ضعف قدرة سلطة الانقلاب على حشد الشعب لتأييدها ومساندتها في عمل إجرائي على الأرض.
ولكن ضعف القدرة على حشد الشعب أمام صناديق الاقتراع لا يعني بالضرورة انهيار شعبيته تمامًا.. فكثير من هؤلاء الذين لم يستجيبوا لدعوة الحشد هم من أنصار السيسي ومؤيدي الانقلاب، ولكنهم لم يتحمسوا للاستجابة للدعوة؛ إما لأنهم حتى هذه اللحظة لم يتذوقوا أنهار العسل التي وعدهم بها قائد الانقلاب عند الإطاحة بالرئيس المنتخب، وإما لأنهم يعرفون نتيجة الانتخابات المزيفة سلفًا فلا داعي لإرهاق النفس في معركة محسومة مسبقًا.
ثانيًا: لقد كان من أهداف المشروع الانقلابي على ثورات الربيع العربي عمومًا وعلى الثورة المصرية خصوصًا أن يعود الشعب إلى المربع صفر.. إلى ما قبل اندلاع الثورة.
أن يعود الشعب إلى اليأس من إمكانية التغيير، وإلى الانسحاب من الحياة السياسية ليبقى ميدانها حكرًا على سلطة الانقلاب ورجالها .
إذن فقد حقق رعاة الانقلاب بهذا الإحجام الشعبي هدفًا استراتيجيًّا مهمًّا.. حتى وإن بدا الأمر في الظاهر خسارة مرحلية.
ثالثًا: قائد الانقلاب ممسك بزمام السلطتين التنفيذية والتشريعية معًا.. وانتخاب مجلس نواب يعني انتقال السلطة التشريعية إليه.. إذن ينبغي أن يكون البرلمان تحت السيطرة بإجراء انتخابات شكلية سالفة التجهيز.. وينبغي كذلك أن يجرى تسفيه هذا البرلمان وتسفيه أعضائه؛ ليبقى السيسي والمؤسسة العسكرية في صدارة المشهد واقعيًّا ومعنويًّا في تصورات الناس.. لابد أن يصبح البرلمان في الصورة الذهنية الشعبية شيئًا لا قيمة له.. ليظل شخص السيسي كرئيس لسلطة الانقلاب ومن خلفه المؤسسة العسكرية بطل المشهد السياسي بلا منازع.
رابعًا : سلطة الانقلاب -كأي سلطة قمعية- تُعلي من شأن القوة العسكرية على حساب الحاضنة الشعبية.. وتهتم بالأولى بصورة أعظم بكثير مما تهتم بالثانية.
فما دامت القوة العسكرية بأيديهم والشعب صامت سواء كان مؤيدًا أو معارضًا محبًّا أو كارهًا ؛ فإن الأمور -وفق تفكير العسكر- تسير في الاتجاه الصحيح.
ولم تكن الحاضنة الشعبية مهمة لسلطة الانقلاب إلا في تلك اللحظة قبل عامين؛ حينما أراد الانقلابيون أن يُلبسوا انقلابهم عباءة الثورة الشعبية.. أمَّا بعد تحقق الهدف فإن الحاضنة الشعبية لم تعد على نفس القدر من الأهمية.
خامسا: لا يعني ما سبق أن ما حدث من ضعف الإقبال الشعبي على الانتخابات غير مهمّ بالنسبة للثورة.. هو مهمّ لا ريب في الإشارة إلى ضعف قدرة الانقلاب على الحشد الشعبي أو عدم اكتراثه لمسألة الحاضنة الشعبية.
وهذا أمر يعطي فرصة للثورة لكي تتمدد في هذا الفراغ الذي تركه الانقلابيون طوعًا أو كرهًا.
ضعف الإقبال ورقة تفيد منها الثورة شعبيًّا.. ولكن بعض المكاسب السياسية للمشروع الانقلابي تتحقق بذات الورقة.
ينبغي إذن أن تتسم نظرة الثوار للأمر بالموضوعية.. ليدركوا من كسب ماذا؟ وإلى أيّ مدًى كسب؟ ومن خسر ماذا؟ وإلى أيّ مدًى خسر؟ وليدركوا أن للأمر الواحد عدة زوايا ينبغي عند التحليل أن ننظر إليها مجتمعة. خاصة وأن الأحداث قد علمتنا أنه لا ثورة بغير حاضنة شعبية.. وأنه لا ثورة بالحاضنة الشعبية وحدها.
معتقل سياسي مصري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

