تخونك عينيك وتلح عليك باستراق نظرة أخرى لكنك تمانع فتلك مشاهد اعتدت رؤيتها طيلة سنوات، مالذي سيتغير؟ الدرة، الدوابشة،انتهاكات، مرابطون. يتبع
![]() |
| محمود مجدوب / مدون تونسي |
تستفيق كل صباح في دفء الفراش لتحتضنك رائحة القهوة الذكية. ثم تدغدغ وجهك أشعة الشمس الذهبية لترسم بسمة تتشاركها مع أحب الناس إليك. قد تتذمر ربما من المواصلات وإرهاق العمل وتتجاذب أطراف الحديث مع زملائك حول إنجازاتك ومشاريعك المستقبلية.
هناك في المقهى وقبل أن تبدأ بروتين الدوام تسترعي انتباهك مشاهد على التلفاز .. تنظر قليلاً ثم تعود لتصفح جريدة بحثاً عن الأخبار الشيقة.
تخونك عينيك وتلح عليك باستراق نظرة أخرى لكنك تمانع فتلك مشاهد اعتدت رؤيتها طيلة سنوات، مالذي سيتغير؟ الدرة، الدوابشة، انتهاكات، مرابطون .. على كل لنبدأ بالعمل، دعنا من كل هؤلاء! يأتي أناس ويذهب آخرون، ويمر الوقت ثقيلاً ثقل صوت دقات حذاء يقترب من زنزانتك .. اه أية زنزانة؟ فيما أفكر؟
ويستمر تدفق الناس على شباكك: شباب، كهول، وشيب قد بلغوا من الكبر عتيا. هناك ذاك الشيخ كأنك رأيته سابقا! ويكأنه يصرخ في وجه جندي يقتاد فتاة إلى سيارة مدرعة. يبدو أن الإرهاق أخذ منك كل مأخذ وبكل تأكيد تحتاج إلى قسط من الراحة.
هنا تغادر العمل باتجاه بيتك محاولاً السير منتصب القامة، ترفع هامتك لتلتقم سيجارةً تشعلها عساها تقلل من هاته الهلاوس التي تعتريك. تنظر يمنة ويسرةً لترى أن الناس يسرعون في مشيتهم كأنهم يفرون من شيء ما. دخان السيجارة يغمر عينيك، والدموع تسيل منها، صرخات إمرأة ترن في أذنيك: “اترك ابني! اترك ابني!”
أياد تمتد إليك بين الدخان لا ترى أصحابها، تمسك بك وترميك في سيارة عسكرية بكل احتقار. يعتريك الخوف لكن رجال وشباب حولك يبتسمون لك بكل شجاعة. الصورة تتشتت لتعود من جديد إلى الوعي فتجد نفسك متكئاً على جانب سيارة وحولك بعض المارة يسألونك عن حالك فترد أنا بخير .
تتحامل على نفسك وتصل إلى البيت. المكان مظلم ، حالك السواد . ترى ما هذا القيد الفولاذي البارد حول يديك ؟ من أين جاء ؟ ملح ومي .. ملح ومي .. من أين تأتي هاته الهمسات؟ يأخذك أحدهم ليجلسك على كرسي ثم يسلط على وجهك ضوءًا ساطعاً فلا تكاد ترى سوى شبح جليسك الذي يمطرك بعشرات الأسئلة بلغةٍ عربية ركيكة. يصفعونك ويعذبونك لكن دماغك يأبى استقبال إشارات الألم! فكرة واحدة تشغلك: من هؤلاء الرجال والشباب الذين يبدو عليهم كل هذا الصمود؟ مالك لم تفكر فيهم قبل ذلك ؟
كم أنتم؟ آلاف يقول أحدهم .. ألم تسمع بنا ؟
يرمونك من جديد في الزنزانة، وأنت تتساءل عما يحدث لك أين ذهب مقر عملك؟ وماذا عن أهلك ؟ تخنقك العبرات وتبدأ بالأنين؛ ولكن شيخاً يبرز لك وجهه في ظلام الزنزانة يربت على كتفيك ويقول: “أليس الصبح بقريب فلا تحزن إن الله معنا “. ويمر الوقت وتجر من جديد فيتكرر معك نفس مشهد الاستجواب ونفس السؤال يخامرك من هؤلاء المساجين؟ تلاقي عيناك نظرات رجل سجين زنزانة أخرى يرتل شيئاً من القرأن فيتوقف ويسألك: “ألم تعرفنا؟” . تستغرب ولكنه يردف قائلاً: “نحن من تراهم على تلفازك ومن لم تراهم، نحن المشاهد المتكررة، نحن مشاريع شهادة أو نصر، نحن الأسرى شيوخ ونساء وأطفال وكهول .. أنا الشهيد الحي! أنا الشهيد الحي! الحي!
تستفيق من غفلتك مجدداً أمام قهوتك ورفاقك. مالك يسألونك؟ بخير ترد .. فقط لم أكن أعرفهم !
محمود مجدوب
إعلامي ومدون تونسي
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

