فاطمة المهدي تكتب : صرخة مشتاق

في الحلقة الأولى من سلسلة علمني كيف أحبك تتناول المدونة فاطمة المهدي حوار افتراضي بين رجل وزوجته بعد عودته مرهقا من العمل . يتبع

الخبيرة الاجتماعية / فاطمة المهدي

الحلقة الأولى من علمني حبك

(1 )عائد من العمل والإرهاق لا يغطى جسده فحسب بل يحول بين عقله وأى ذرة تفكير قد تتجرأ لتقترب منه  ،يمنى نفسه بتناول الغذاء معها ..بابتسامة ودلال..براحة فى سريره قليلا ليستيقظ أكثر نشاطا ويكمل معها السهره.. يفتح الباب..يدلف إلى الداخل وعيناه تدوران للبحث عنها يجدها فى مكانها المقدس..حيث الأوانى ورائحة البصل  ..يلقى التحية فى اشتياق:

-حياتى..كم افتقدتك اليوم

تجيبه بابتسامة صفراء :

-حسنا..وأنت أيضا..

يبادرها وهو ممسك بخصرها:

-ترى..ماذا سنتناول اليوم على الغذاء ؟

وما شأنك أنت..إنه جسدى أنا ..لا تعطينى دروسا فى النظافه فلم أعد طفلا صغيرا ولا تحدثينى وكأنك معلمتى

تحاول أن تتملص من بين يديه ثم تجيب :

-فقط انتهى من حمامك أولا ثم تعال لتتتاول غذاءك

-حمام!! ليس مهما الآن فأنا أتضور جوعا

-يا الله..كيف ستأكل والعرق يتجول على جسدك هكذا؟

-وما شأنك أنت..إنه جسدى أنا ..لا تعطينى دروسا فى النظافه فلم أعد طفلا صغيرا ولا تحدثينى وكأنك معلمتى

تقوم بمص شفتاها..تتبرم من كلامه ثم ..

-حسنا..فليكن…اخلع حذاءك حتى لا تتسخ السجادة…ضع ملابسك المتسخة فى مكانها المخصص…اغسل يديك..ولا تنس أن تعلق سترتك فى خزانة الملابس…آها..نسيت…لقد وضعت الفراش على السرير للتو…لا تجلس عليه حتى لا يتسخ .

 

(2 )

-ما رأيك أن نذهب يومين للتنزه خارج المدينة..

-فكرة رائعة..كم يحتاج الأبناء إلى جرعة من التغيير كل بضعة أشهر

-أقصد أنا وأنت فقط..سأقوم بحجز غرفة لنا فى إحدى الفنادق المطلة على البحر

تنظر له متعجبة وفكها العلوى معلق وحاجباها لم يغادرهما الاندهاش وكأنها تشاهد فيلما عن الحرب العالمية..

تنظر له متعجبة وفكها العلوى معلق وحاجباها لم يغادرهما الاندهاش وكأنها تشاهد فيلما عن الحرب العالمية..تتلعثم كلماتها ..تستجمع قواها ثم تطلق طائراتها صفارات الإنذار مؤذنة بغارة قد تأتى على الأخضر واليابس :

-ماذا تقول !! نزهة بدون الأبناء..وكيف سأستمتع بدونهم..كيف سيغمض لى جفن..كيف سأضحك وألهو وهم ليسوا معى

-وما المانع…هم يذهبون فى كل مكان مع رفاقهم..ونحن لا ندخر جهدا فى إسعادهم

-أنت بذلك تطلب منى المستحيل..انس يا عمرو.

(3)

يتجول معها فى أحد الأسواق التجاريه .يبحث عن القسم النسائى حتى يجده..يقف هناك مشدوها…يعود أدراجه إليها .. ..يجدها فى قسم الخضروات ..يخبرها أنه قد وجد ضالته..يسألها أن تأتى معه..تعانده..يسحبها من يدها فى خفة وبراءة..ثم …

-بالطبع أنت تمزح..

-أمزح !!! إطلاقا يا حبيبتى..هذا هو اللون الذى أشتهى أن أراكى فيه

-أتريدنى بعد تلك السنوات من الحفاظ على شعرى أن أقوم بمتهى البساطة بصبغه باللون الأحمر !!

ثم كيف وأنا فى تلك العمر..

-أى عمر يا حبيبتى..أنت لازلت فى ريعان الشباب

عفوا يا زوجى الحبيب..أنت لم تتزوجنى جاريه..ولم تأخذنى من بيت والدى حتى تفسد على ما أقوم بالحفاظ عليه منذ سنوات

-عفوا يا زوجى الحبيب..أنت لم تتزوجنى جارية..ولم تأخذنى من بيت والدى حتى تفسد على ما أقوم بالحفاظ عليه منذ سنوات..شعرى لا ولن أضع عليه سوى الحناء الطبيعيه فقط..بإذنك..

يتسمر فى مكانه مشدوها مما سمع ولسان حاله يقول هل جنت تلك المرأة أم أننى أنا الذى فقدت نصف عقلى عندما أحببتها وتزوجتها.

(4 )

صوت الهاتف ..

-الو

-عندى لك مفاجأة سارة 

-أستر يارب…ما هى

-لقد قمت بحجز تذكرتى سينما للغد….أخيرا سأرتاح من تعب أسبوع كامل…

لم يكمل جملته حتى سمع إعصارا يدوى فى أذنه

-لماذا لا تستأذنى..لماذا لم تخبرنى..

-ها أنذا أقوم بإخبارك..ظننت أنك ستحلقين فرحا ؟

-وأين سيذهب الأبناء؟

-أى أبناء تتحدثين عنهم…ولدنا الأكبر الذى ييلغ من العمر خمسة عشر عاما..أم الأخرى التى تبلغ اثنى عشر عاما ؟

-من سيدبر لهم أحوالهم..من سيجهز لهم الطعام..من سيقوم بغسل الأطباق ..من سيضع الغسيل فى مكانه..من..من..من

– لم يعودوا صغارا …ومع ذلك من الممكن أن يمكثوا مع أمى أو أمك

-لا يا زوجى العزيز ..أنا لا أتخلى عن مسؤلياتى إطلاقا..ما تطلبه هو العبث بعينه.

 

ضاق ذرعا بقولها ولم يشعر بنفسه إلا وهو يلقى على مسامعها وابلا رصاصيا مثل الذى استخدمته من قبل

ضاق ذرعا بقولها ولم يشعر بنفسه إلا وهو يلقى على مسامعها وابلا رصاصيا مثل الذى استخدمته من قبل :

لقد مللت العيش معك..إمرأة بلا قلب..بلا مشاعر..جل همها الطعام والغسيل والنظام والأولاد والمنزل ..أين أنا من كل ذلك..أين أنا من وقتك..أين أنا من خريطتك..هل تزوجتنى لتفضلى عليّ ملاءة السرير…وجلى الأ طباق..وصنف هنا وأصناف هناك..هل تزوجتنى ليكون أبنائى فى رأس القائمة وانا لا وجود لى إطلاقا على القائمه..هل تزوجتنى لتتركينى وحيدا ليلا وتعانقين الأطباق وتقبليها لتطمئنى على راحتها قبل أن تخلدى للنوم..

لقد عرضت عليك مرارا أن تستعينى بمن يساعدك لكنك رفضت رفضا قاطعا..عرضت عليك أن نعطى لأبنائنا دروسا حتى تخففى عنك وتتفرغين لنفسك  لكنك أيضا وبكل قوة قابلت العرض بالرفض..

ماذا أفعل  وأنا أتجرع كأس الحربية والعسكرية كل يوم..متى ما شاهدت الشاويش عطيه أحسست أن دماءه تجرى فى عروقك وكأنه أبوك وجيناته الوراثية تطاردنى حتى فى منامى..

أين أنا من يومك ..من أولوياتك..هل أنا آلة نقود حقا فحسب..هل احتياجاتى النفسية لا توضع سوى تحت بند الكوسة والبازلاء ..هل أصبح الباذنجان أهم من زوجك..هل تزوجت ?أعود إلى بيتى من عمل مرهق إلى معسكر حربى ..

لقد مللت العيش هكذا..أذهب إلى عملى فأرى نساءا بكل لون وكل جنس..أرى الجمال والدلال والرزانه يجتمعون سويا فى عدد لا بأس به من النساء

لقد مللت العيش هكذا..أذهب إلى عملى فأرى نساءا بكل لون وكل جنس..أرى الجمال والدلال والرزانه يجتمعون سويا فى عدد لا بأس به من النساء..تطاردنى بعضهن فى أحايين كثيرة ..أفتح التلفاز فأرى ما لا يسر..أرتمى فى أحضان الانترنت لأغوص فى عملى لعلى أنسى ما تقومين به..فتطاردنى صور هنا وضحكات هناك..ولولا تقوى الله وستره لزللت.

أشعر وكأنى جاوزت التسعين من العمر رغم أنى لم أكد أبرح منتصف الأربعين..

نعم لازلت أحبك …لذلك لم أفكر بالزواج من أخرى…وأعلم حتما أنك لازلت على العهد..لكنك تحصرين الحب فى طعام وشراب وترتيب وتربية للأبناء…لم أقل أن ذلك كله غير مهم لكننى أشعر باستياء نفسى وأنا مهمش واحتياجاتى لا ينظر حتى إليها من قريب أو بعيد..

لا أريدك أما لأبنائى فحسب..

بل أريدك زوجة ..وحبيبة وصديقة..

صديقة عندما يهفو عقلى لمشاركة عقل آخر..

وحبيبة عندما أشتاق لكلماتك ولمساتك فأجدنى بين ذراعيك لتغدقى على قلبى ما أحله الله لنا 

و زوجة تتقبلنى كما أنا…حتى لو اختلفت ملامح وجهى وانحنى ظهرى..وتغير لون خصيلات شعرى ..

أريد أن أنسى هموم يومى على كتفيك بدلا من أن تمطرينى بوابل من النصائح اللوذعية

وأن أرتمى على صدرك وأبكى كطفل صغير دون أن تسألينى هل غسلت قدميك اليوم  !!

أريدك أن تشعرى بحبى..وأن تغرقى قلبى بنسمات حبك الذى  لا ينتهى ..

أريدك زوجة..يا زوجتى .

 

فاطمة المهدي

خبيرة في الشؤون التربوية والأسرية

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان