إيمان مسعود تكتب: حرب على الإسلام أم على الديموقراطية؟

جعلت أمريكا من شرق آسيا وأوروبا ورشا صناعية لخدمة المُستهلك الأمريكي، أما الشرق الأوسط فدوره أن يكون مصدر الإمداد بالخام وسوقاً لبيع الصناعات الأمريكية. يتبع

 

أثناء الحرب العالمية الثانية وضعت ما يُسمى (لجنة العلاقات الخارجية) في الكونغرس الأمريكي ما يُسمى “المجال العظيم” ويقوم على أن يتم تقسيم العالم بحيث يخضع للنفوذ الأمريكي بما يخدم مصالحها. فهو يجعل من شرق آسيا وأوروبا ورشا صناعية لخدمة المُستهلك الأمريكي، أما الشرق الأوسط فدوره أن يكون مصدر الإمداد بالخام وسوقاً لبيع الصناعات الأمريكية، خاصة الثقيلة منها كالطائرات والسيارات، وكل من يحاول خرق هذه المنظومة أو كسرها وبناء دول ديموقراطية مُستقلة قد يجعل منها قدوة لدول أخرى تحذوا حذوها فإن ذلك يستوجب تدخلا أمريكيا إما اقتصاديا بفرض حصار تجاري على هذا النظام، وإما عسكريا بتدخل مباشر من خلال شن حروب وحشية تُرتكب فيها مجازر بشعة، أو غير مباشر من خلال تدبير انقلابات على هذه الأنظمة، لذلك تحرص حكومات الولايات المتحدة المتتابعة على مد جسور صلة وثيقة بينها وبين قيادات الجيش في معظم الدول.

كانت اليابان في الأربعينات تسعى إلى أن تجعل من شرق آسيا كتلة اقتصادية مستقلة مما يهدد بالقضاء على بسط أمريكا لنفوذها في هذه المنطقة فلم تجد الإدارة الأمريكية مفراً من شن حرب على اليابان وصلت بشاعتها إلى حد استخدام القنابل النووية

مثال :في خمسينيات القرن العشرين لم يكن على رأس حُكم فيتنام مجموعة من الإسلاميين يحاول نظام الولايات المتحدة تسويق أنهم إرهابيون يهددون أمنها القومي! على الرغم من ذلك شنت الإدارة الأمريكية برئاسة ” دوايت آيزنهاور” حرباً على فيتنام ارتكبت فيها أبشع المجازر.

وإذا ما درسنا الأسباب الحقيقة الكامنة وراء الممارسة الهمجية ضد “فيتنام” سنجد أنه كان عقاباً لخروجها على الدور الخدمي المرسوم لها ضمن المنظومة الأمريكية، ففيتنام بمحاولاتها وقتئذ الاستقلال الاقتصادي والعسكري يجعل منها مثالاً يمكن أن تقتدي بها دول أمريكا الوسطى.

مثال آخر :كانت اليابان في الأربعينات تسعى إلى أن تجعل من شرق آسيا كتلة اقتصادية مستقلة مما يهدد بالقضاء على بسط أمريكا لنفوذها في هذه المنطقة فلم تجد الإدارة الأمريكية مفراً من شن حرب على اليابان وصلت بشاعتها إلى حد استخدام القنابل النووية في “هيروشيما” و” ناجازاكي” لإعادة شرق آسيا إلى “المجال العظيم” الأمريكي وحظر تصنيع السلاح على اليابان إلى يومنا هذا.

مثال أخير :خلال رئاسة “كينيدي” للولايات المتحدة الأمريكية هيأت إدارته للانقلاب العسكري في البرازيل عام 1964 فقط لأن الحكومة البرازيلية بدأت خطوات في طريق الاستقلال مما قد يجعل ديموقراطيتها هدفاً تسعى لتحقيقه دول أمريكا اللاتينية، وبذلك تتشكل بمحاذاة الولايات المتحدة الأمريكية قوة عسكرية واقتصادية على شاكلة الاتحاد الأوروبي، فخشيت من أن تعدد وجود اتحادات قريبة منها قد يجعل من أمريكا في الدرجة الثانية أو حتى الثالثة بدلا من أن تكون قوى عظمى تسيطر على العالم.

كان أول ما اتجه لتحقيقه الرئيس الدكتور “محمد مرسي” الاكتفاء الذاتي من القمح، وبالفعل خلال أقل من عام أوصل الوزير “باسم عودة” نسبة إنتاج القمح المصري إلى عشرة ملايين طن واعداً بتحقيق الاكتفاء الكامل خلال الفترة الأولى لرئاسة مرسي لمصر،

وإذا ما بحثنا في القاسم المشترك بين موقف أمريكا ضد هذه الدول الثلاثة وبين ما تفعله بعرقلة تحقيق آمال الشعوب الطامحة للحرية في دول الربيع العربي سنجد أن سياسة أمريكا  الخارجية تقوم على تقديم خدمات لسانية عن حق الشعوب في الحرية وانتخاب أنظمتها ديموقراطياً، لكنها في الواقع لا تسمح لغير المُخلصين لها الذين يسخرون ثروات شعوبهم لشراء المُنتج الأمريكي وضخ المليارات في أرصدة البنوك الأمريكية بالوصول لكراسي الحكم، وهذه كانت هي مشكلة إدارة باراك أوباما ودول خليجية مع الثورات العربية، وهي أن الربيع العربي أنتج حُكاما جعلت نصب أعينها استقلال بلدانهم وتأمين اقتصادها.

فمثلا: كان أول ما اتجه لتحقيقه الرئيس الدكتور “محمد مرسي” الاكتفاء الذاتي من القمح، وبالفعل خلال أقل من عام أوصل الوزير “باسم عودة” نسبة إنتاج القمح المصري إلى عشرة ملايين طن واعداً بتحقيق الاكتفاء الكامل خلال الفترة الأولى لرئاسة مرسي لمصر، فحولت بذلك حكومة الرئيس مرسي ضجيج استحالة اكتفاء مصر من القمح في عهد المخلوع “مبارك” إلى إنجاز بات قريباً تحقيقه، واصطف التُجار أمام صوامع الغلال ليحظوا بشراء القمح المصري بعد أن كان في العهود السابقة يتم رميه في النيل تنفيذا لالتزام مصر باتفاقيات السايس بيكو واستيرادها القمح من الخارج، واكتمل الاهتمام الحكومي بأهمية الاكتفاء من القمح إلى حد حضور الرئيس مرسي موسم حصاد القمح مع الفلاح المصري والإشراف شخصياً على شراء القمح منهم وإسقاط الديون كافة على صغارهم تشجيعاً للفلاح على الالتصاق بأرضه وليس جعلها كاهلاً عليه يسعى إلى بيعها ليستريح مما سببته له من ديون!

وهذا هو ديدن كل أنظمة الربيع العربي أن يحدثوا طفرة اقتصادية ينتجون بها الدواء والغذاء والسلاح، فقضّ ذلك مضاجع القائمين على حماية المصالح الأمريكية بإنفاق مليارات البترول عليها، فهم قد أيقنوا أنهم لو تركوا الربيع العربي يسيرون في طريق تحقيق أهدافهم سيُواجهون قريبا بشعوبهم تهتف ضدهم :

لماذا مصر ونحن لا؟ لماذا تونس ونحن لا؟ لماذا ليبيا ونحن لا؟

لماذا تحتكر أُسرة واحدة الحُكم منذ أجدادنا ويتوارثون الكرسي ويرثون معه ثروات البلاد ومستقبل الأبناء والأحفاد، وبذلك تتهاوى عروشهم ويتهاوى معها سيطرة أمريكا على شريان النفط الذي يمد طائراتها بالوقود وميزانيات حروبها بملايين الدولارات، لذلك اتخذت أمريكا قراراً بشن حرب ضروس ضد التيار الإسلامي في المنطقة العربية ليس لأنهم إسلاميون إنما كونهم البديل الديموقراطي للديكتاتوريات القائمة.

مدونة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان