لا تنس انطباعاته حينها ما بين اندهاشه وتعجبه.. لا تنس كلماته التي كان يتخيرها ليغازلها.. همساته التي كان يبثها.. ثم فجأة تستفيق على صوت الواقع المرير. يتبع
![]() |
الحلقة الثانية من “علمني كيف أحبك “
قد تجتمعا.. ولا تلتقيا.
قد تدعيا الحب ثم تتناسياه ملقى على رف الإهمال بحجة الانشغال.
قد تشتاقا في البداية وما عدتما بعد طاحونة الحياة والتمرغ في وحل أوجاعها.
قد تتغازلا.. تتناقلان أبياتا من الشعر.. أقوال قيس لليلى.. وعشق عنتر لعبله.. لكن أحبار الشعر صارت تخط دما .
قد تتحول إلى شاعر في عينيها ولأجل عينيها فقط تنقش حروف حبك لكن فؤادها يثور فيضج بحبك لأن المتاح صار عادة والجمال صار روتينيا والسهل صار ممتنعا.. فيكسر قلبك.. فتنكسرا.
قد تهتم لأجلك.. لراحتك.. لفراغك لشغلك لحلوك ومرك أملا أن تحبها كما تريد هي.. لكن قلبك يأبى إلا أن يحبها مثلما أردت أنت لا مثلما شاءت.. فتذبل حتى تفيض الروح بين يديك.. أو تقتل.
قد تستمرا وتستمرا رغم كل ألم ..رغم مر الضحكات.. رغم ابتسامة الآهات.. لكنكما في النهاية لستما سوى قلوب بالية وأرواح خاوية لتصبحا أجسادا بلا حياة.. وحياة بلا حياة.
قد تتواعدا.. تتشاركا.. تنسجما.. تندمجا حتى تذوبا كقطع الثلج فوق مرجل يغلى بنار الشوق، لكن الجهل بفنون الزواج يفوق شوقكما فتتصادما.. تتعاركا.. أو تتغربا رغم قرب جسديكما.
قد تحلما بقصر.. ببيت.. بطفل.. بحب يدوم ولا تعكره الألسنة ولا الأزمنة.. لكن صخرة الواقع العنيد تأبى فتكسر الحلم ليصير كابوسا متخفيا خلف أبواب العناد والكبر.
قد تجتمعا فتحكي وتحكي وتحكي وأنت غير مبال أو مشارك فتمل وتضجر فتفر من قلبك إلى المنتهى.
قد تستمرا وتستمرا رغم كل ألم ..رغم مر الضحكات.. رغم ابتسامة الآهات.. لكنكما في النهاية لستما سوى قلوب بالية وأرواح خاوية لتصبحا أجسادا بلا حياة.. وحياة بلا حياة.
كعادتها قامت من نومها متكاسلة تجر قدميها جرا للروتين اليومي الذى كادت أن تختنق به.. وقفت قليلا أمام مرآتها تتأمل ثنايا وجهها.. بثور هنا وانثناءات هناك.. بضع تجاعيد زمنية خطت فوق ملامحها وعلامات سوداء تحت عينيها لا تخفي الحالة التي وصلت إليها.. تتابع باهتمام خصلات شعرها التي تحولت للون الأبيض والتي مهما حاولت أن تخفيها تعود لتظهر ثانية في سباق سافر نحو شيخوخة تنكرها يوما بعد يوم.. تضم فكيها لتلق نظرة سريعة على أسنانها.. تجد الاصفرار وقد أخذ منها مأخذه بسبب القهوة التي صارت تتعاطاها في اليوم بجرعات مكثفة مثل المدمن الذى لا ينفك عن مخدره.. تهم بالإمساك بفرشاة أسنانها لكنها تلحظ شيئا غريبا.. أن فرشاتها قد صارت تشبهها في الترهل والكهولة.. تقف طويلا تتأملها وتتأمل فرشاة زوجها.. يتنامى إليها شعور غريب بأنهما ليستا على وفاق.. تماما مثل زواجها.. نعم يجمعهما إناء واحد.. لكن كلا منهما تنظر في اتجاه.. ورغم التقارب الجسدي إلا أن هيئتهما تكاد تنبؤك بالكثير.
تعود سنوات إلى الوراء.. تتذكر كيف كانت تخط حروف اسمه فوق بخار مياه مرآتها.. تتذكر شعورها بالنشوة عندما كانت تكتب له رسالة مذيلة بقلب أحمر اللون على باب غرفة النوم .
لا تنس انطباعاته حينها ما بين اندهاشه وتعجبه.. لا تنس كلماته التي كان يتخيرها ليغازلها.. همساته التي كان يبثها على أوتار قلبها بين الحين والآخر.. ثم فجأة تستفيق على صوت الواقع المرير ونقر قوى على الباب بصاحبه صوت جهوري: هل ستتأخرين …أريد الاستحمام للذهاب إلى العمل .
تترك فرشاتها وحيدة رغم قرينتها بنفس المكان.. تمسح بخار المياه حتى لا تتذكر أي شيء من ماض عقيم.. تفتح الباب بانفعال واضح تجده جالسا كعادته على السرير يطالع آخر الأخبار على جهازه.. ترمقه بنظرة حادة.. ثم تتركه لتساؤلات لا تنتهى إلا بانخراطه في العمل ليعودا في اليوم التالي على نفس المنوال.
تتزوج الفتاة.. تزف إلى بيت زوجها مزينة بتاج فضي ورداء الأحلام يغطى الروح قبل الجسد.. تعيش طفولتها وشبابها في بيت أبيها منفصلة عن الواقع تتلقفها يد الإعلام فتعطيها صورة وردية عن العلاقة بين الشاب والفتاة.. تحلم يوما أن تعيش تلك العلاقة..
جسدان منفصلان.. قلبان قد انقضى أجلهما رغم نبض إكلينيكي وشهادة وفاة لروحين قد خطت بفعل الجهل مع سبق الإصرار والترصد.
إذن ماذا يحدث.. وما هو حل اللغز؟
ما الذى يحدث لك أيها الزوج فتهمل.. وما الذى ينتاب زوجتك فتثور ويجن جنونها؟
ما الذى يحدث ليخبو الحب بينكما؟
ماذا يحدث لتظهر أعراض الشيخوخة قبل أوانها؟
إنها “التوقعات الحالمة”.
نعم…فكلا منكما يحلم بحياة وردية لا تشوبها شائبة.
تتزوج الفتاة.. تزف إلى بيت زوجها مزينة بتاج فضي ورداء الأحلام يغطى الروح قبل الجسد.. تعيش طفولتها وشبابها في بيت أبيها منفصلة عن الواقع تتلقفها يد الإعلام فتعطيها صورة وردية عن العلاقة بين الشاب والفتاة.. تحلم يوما أن تعيش تلك العلاقة.. لكن قلبها يحطم مع أول صدمة تتعرض لها بعد الزواج حين تشكو قائلة:
لم يعد يحبني كما كنا قبل الزواج.. كان يبتاع لي الورود كل يوم.. كان يغرقني بكلماته المعسولة.. كان يسهر معي يوميا عبر الهاتف ليمطرني أبيات شعره .. ليخبرني عن شوقه وكم يتمنى ذلك اليوم بفارغ الصبر .
ثم تكون هو شكواه المعتادة :أصبحت تقلب يومي رأسا على عقب.. لا أستطيع الالتفات من طلباتها.. كلماتها تمتلئ بالنقد والعتاب والتوبيخ.. لم تعد ترضى بأي شيء مهما بذلت أو تفانيت .
تلك هي المعضلة الكبرى.. “الزواج الوردي”.. بلا مسؤوليات.. بلا مشكلات.
لقد عشتما أحلام الصبا قبل الزواج.. وكان المجتمع جانيا شريكا في الجريمة.. لم يقم بإعدادكما إعدادا صحيحا.. جعلكما عرضة لإعلام مخادع وفريسة لأفكار حالمة.
فأصبحت الفتاة تتخيل نفسها برداء سندريلا التي تنتظر أميرها على حصانه.
وأصبح الشاب يرى في حياته القادمة نعيم الإمارة بين يدى أميرته.. حتى يأتي الواقع اليومي الذى يفرض نفسه فرضا بين مسؤوليات بيت يحتاج إلى كثير من الكد والعمل وبين صرخات تشكو من الإهمال واللامبالاة.
فالزواج الحقيقي لا يتمثل في الورود الحمراء والشموع التي لا تنطفئ ليلا بين يدى المحبوب فحسب.. بل هو منظومة متكاملة .
مودة ورحمة. مسؤوليات مشتركة. عمل وتضحية. تنازلات بسيطة من الطرفين لكى تستمر العلاقة. فهم ومحبة.. احترام وتقدير. مساعدة وبذل .
طرف يتحمل لا يتحامل. وطرف يستقبل ويشكر لا يتكاسل.
طرف يضحى ليسعد ويسعد الآخر. وطرف يبذل لا يستكين مستغلا حب الآخر.
طرف يقوم بمهامه بكل الحب لا منا ولا أذى. وطرف يحفز ويشجع لا ينقد ويوبخ.
طرف يواسى ..يحنو ويحتوى. وآخر يقدر ولا يتمادى.
طرف يتحدث بالمشاعر وطرف يتلقى مشاعره بكل الحب ليعود فيغلفها له بطريقته التي يحب.
الزواج هو منظومة أكبر من أي أبيات للشعر خطها فطاحل الشعراء. وهو أنضج من تفاهات المراهقين التي تحكى في الروايات ..
هو زوج مسؤول حنون يشعر زوجته بأمان على كتفيه، ملبيا لها ما تحتاج من مشاعر فياضة، ولمسات حانيه.
وهو زوجة محبة عاقلة تحتضن زوجها في أوقات شدته لتواسيه وترفع عنه ما يعانى .
هو زوج يتغافل عن زلات زوجته. ويتباهى ببراعتها في تصريف الأمور .
وهو زوجة تتسامح ولا تعط الصغائر حجما يزيد عن حجمها فتتسع الهوة بينهما.
الزواج هو منزل وأطفال تضحك وتلهو.. وجيل يربى على يديك أنت وشريكك.. ومسؤولية ستسأل عنها أمام رب البرية.
إن شئت حقا أن تتزوج فانفض عنك خيالات وأحلام وشعارات زائفة فالزواج أسمى وأرقى من أية شعارات.
وإن قمت حقا بتوقيع العقد، فراجع مسؤولياتك ..مهامك.. واجباتك.. قبل أن تسأل الآخر عن حقوقك.
استمتع بشريكك واجعله يستمتع بك.. فلهذا خلق الزواج.
استشارية تربوية مصرية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

