رمضان السنوسي يكتب: لا تشق الصف

نجح ذلك العقل التربوي الجمعي في طمس كثير من مشاهد الواقع وصورته فى مواقف فاصلة فى مسار الجماعة لا سيما فى مواجهة الانقلاب. يتبع

لعل أصعب ما يهدد بقاء جماعة الاخوان المسلمين فى تلك اللحظة الفارقة من عمرها وهى تمر بمعركة نفوذ شرسة تخفى وراءها معركة أشد شراسة حول رؤية قاداتها للعبور من مأزقها الذى أدخلهم فيه الكبار، هو ذلك العقل الجمعي الخامل والمتجذر  في هيكلها القيادي التربوي الذي يئوي إليه كل أفراد الجماعة، والذي استطاع أن يدحض كل مشاهد الإخفاق فى تجربة جماعته ليحوّلها إلى مؤامرات، بداية من السكوت على جرائم المجلس العسكري وانتهاءاً بانقلاب علمت به كل الدنيا قبل أن يراه أخيراً على شاشات التلفاز  ليعترف بحدوثه.

بل إن القناعة وصلت فى النهاية لدى كثير من منظرّي ذلك الصف القيادي إلى القول الصريح ب”الحتمية” أساساً لتلك المرحلة المرّة، حتمية الانقلاب، حتمية المؤامرة، حتمية المحنة ومن ثم حتمية المجازر.

لم يبق من هذه الاحاديث عن المسلمات “الحتمية” على طريقتهم إلا القول بحتمية الاخفاق فى إدارة اللعبة السياسية ابتداءاً، حتى يتثنى لعموم الصف المكلوم  أن يقدموا لهم الشكر على الاخفاق .. على المحنة .. على المجازر.

نجح ذلك العقل التربوي الجمعي في طمس كثير من مشاهد الواقع وصورته فى مواقف فاصلة فى مسار الجماعة لا سيما فى مواجهة الانقلاب، ما يؤكد فى رأيي عمق ذلك التهديد الداخلي وصعوبة اجتيازه وهو ما ينذر بانشطارٍ كبير يشق الجماعة إلى نصفين أحدهما سياسيٌ يتحرك بحرية فى مضمار السياسة وبأساليب المقاومة المتاحة والآخر يسير وفق أبجديات التربية وأساليب الدعوة القديمة التى قد لا تصلح لمواجهة انقلاب دموي أجهز على كل مساراتها وسد أمامها كل الأبواب إلا باب التفاوض معه، لتبدأ من الصفر ثم تتحرك شيئاً فشيئاً عبر سنواتٍ طويلة وبضوء أخضر من السلطة.

سأكتفى هنا بسرد أهم تلك المواقف الفاصلة، والتى بدأت فى أواخر شهر مايو من العام الجاري ببيانين متضاربين يتعلقان بمنهج عمل الجماعة وإدارتها:

 أولهما دعا إلى “الإلتزام بالسلمية” وزيّل باسم الدكتور. محمود حسين- الأمين العام لجماعة الاخوان المسلمين، أصدر ذلك البيان فى ظل إدارة مكتب الأزمة الذى انتخب فى فبراير 2014 ليقوم بمهام مكتب الإرشاد كما أسفرت هذه الانتخابات عن تعيين أمين عام للجماعة بدلاً من محمود حسين الرافض لنتائجها.

 لتصدر الجماعة بيانها المضاد والمزيّل باسم محمد منتصر – المتحدث باسمها، جاء فيه أن الجماعة حسمت أمرها بالتمسك ب”النهج الثوري”، وذلك بعد استطلاع رأي قواعدها، مؤكداً أن الخيار الثوري هو خيار إستراتيجي لا تراجع عنه، وأن بيان “نداء الكنانة” (بيانٌ أصدره 150 عالم من علماء الأمة يؤكد على وجوب مقاومة الانقلاب، وشرعية الدفاع عن النفس والعرض والمال) وما سبقه من فتاوى شرعية متواترة على وجوب مقاومة الانقلاب، هو أحد المنطلقات التي أكدت صحة مسار الجماعة في كفاحها ضد الانقلاب.

ما الذي كان يعنيهما هذين البيانين وماذا كان موقف الهيكل التربوي؟

البيان الأول لمحمود حسين كان انتحالٌ لشخصية أمين عام الجماعة (وفق مصادر : كان د. محمد وهدان المعتقل حالياً ثم خلفه عبدالفتاح محمد إبراهيم السيسي أحد شهداء مذبحة أكتوبر) وانقلابٌ فرديٌ على هيكل المؤسسة أو هو -على أقل تقدير- صرخةٌ بائسة لرأيٍ يتعارض مع استراتيجية الجماعة وقتها حتى وإن كان فى صورة تأكيد لوصية نائب المرشد الدكتور محمود عزت بالإلتزام بالسلمية.

والبيان الثاني لمنتصر كان لنفى الصفة عن محمود حسين وحفظ الألقاب لأصحابها مع الإعلان الرسمي عن استراتيجية الجماعة بشكل واضح حتى لا يقبل لتأويلات أية قيادة تاريخية أخرى قد تخالف رأى المؤسسة.

هنا جاء دور العقل الجمعي التربوي الذى أتحدث عنه، ليصدر قراره لكوادره التربوية بوقف تفكير الأفراد فيما حدث ونفى الخلاف عن الطرفين “حسين ومنتصر”، ومن يصرّ على التفكير ، فهو خلاف إجرائىٍ عادي لا يدعوا للقلق، ليس هناك تجاوز من أحد ولا خطأ وليس اختلاف حول رؤية الجماعة، مع حفظ الألقاب للجميع حتى لقب الأمين العام للجماعة (بدون السابق)، أما من يتفلت فيصرخ ببعض الحديث عن خلاف حقيقي فهو  تافهٌ ومنساق خلف الصحف والمواقع الشريرة التى تستهدف الجماعة.

لتؤسس الأيام اللاحقة لهذا المشهد طريقة معتادة لطمس صورة الواقع، وهو ما عمّق الانقسام باستقطاب كل طرفٍ لداعمين وموالين يحققون فى رأيه ما عجز العقل الجمعي الخامل عن استيعابه.

رمضان السنوسي
صحفي مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان