صمت طويلا ثم بادرني متسائلا: هل يموت الحب؟ هل بعد سنوات من الحب والهيام يستطيع قلبي أن ينسى كل ذلك ويتجه لأخرى؟ يتبع
![]() |
نظر بعيدا إلى اللانهاية.. صمت طويلا ثم بادرني متسائلا: هل يموت الحب؟ هل بعد سنوات وسنوات من الحب والهيام وعدم التفكير في غيرها يستطيع قلبي أن ينسى كل ذلك ويتجه لأخرى؟
– هل لا تعلم الإجابة حقا أم أنك تستنكر فقط؟
– لقد اختلطت على الامور ولم أعد أفهم شيئا.. لم أعد أفهم مشاعري.. تضاربت علي أفكاري.. طاحونة عملي التي لا تنتهى تجعل رؤيتي ضبابية.. مسؤوليات ترهق كاهلي.. لم أعد أستطع التفكير في أي شيء.. لم أعد قادرا على التفكير كثيرا في مشكلاتي الحياتية.. زوجتي تصرخ من عدم الاهتمام، لا أعلم لماذا وأنا لا أرفض لها طلبا.. مشاكل أبنائي البسيطة أصبحت أقف أمامها حائرا.. قلبي أصبح يهيم بأخرى وأتمنى في بعض الأوقات أن أرمى كل شيء خلف ظهري وأبدأ حياة جديدة في أحضانها لكن هناك ما يمنعني.
بادرْتُه وكأنى لا أعلم الجواب:
– ما هو يا ترى؟
– بالطبع بيتي وأبنائي.
– اممم.. وماذا عن زوجتك؟
– لا أعلم.. فلم أعد اشعر تجاهها بأي مشاعر.. بل أصبحت مشاعري تجاهها سلبية وأتمنى لو أستيقظ يوما وأجدها تطلب الانفصال ..حتى ينقشع هذا الهم عني.. بل أصدقك القول ليس الانفصال فحسب.. بل أتمنى أن ترحل بعيدا.
– ماذا تعنى؟
– بعيدا حيث اللارجعة.. إطلاقا.
رفعت حاجبي في استنكار ثم أكمل.
– سيدتي أرجو ألا تسيئي فهمى.. أنا أتحدث معك وكأنى أحادث نفسى بصوت عال.
أنا لست شريرا.. لكنني..
قاطَعْتُه قائلة:
– لا تحتاج أن تبرر لي فأنا أدرك ما تشعر به.. دعنا نبحث عن حل يرضيك ويرضى زوجتك.
– كيف؟
– الأمر بغاية البساطة.. صارحها برغبتك.
أجابني بعد تفكير لثوان معدودة:
– ومن قال أنها رغبتي؟
– نفس ذاك الشخص الذى يحدثني الآن.
– نعم.. تلك هي الحقيقة.. لكنى لا أريد أن أكون سببا في الانفصال.
– ولم لا.. أولَست أنت المتضرر؟
– وماذا أقول لها.. أريد أن اطلقك.. ولماذا.. ما السبب المنطقي!
– لقد ذكرتَ سببين: الأول أنك لم تعد تحبها.. والسبب الآخر أن قلبك قد انجذب لأخرى.
– نعم.. لكنها لم تؤذني.. لم تبدد أموالي.. لا تكرهني.. تحمل همي وهم أبنائي.. مدبرة منزل من الدرجة الأولى.. صبرت معي كثيرا.. تحملت ظروفي الاقتصادية السيئة.. ولازالت.. على مستوى الزواج هي زوجة وأم بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف وأنا اشهد لها بذلك.
تأملتُ ملامحه وهو يتحدث.. تركت عقلي جانبا.. ليذهب قلبي مع قصته.. وهو يحكي عن تلك المرأة التي تدعى زوجته لكنه لم يعد يحبها وأصبح متيما بأخرى.. لم يكن يتحدث في حقيقة الأمر.. بل كانت ملامح وجهه تتحدث عن امتنان وشكر لا يوصف.. ثم أكمل:
– أتعلمين ما يعذبني حقا؟
– خبّرني.
في هذه الحالة ومع تلك المواقف يحار قلبك هل تتعاطف معه أم مع زوجته.. ويدور صراع لا ينتهى بين عقلك وقلبك.. فالعقل يرشدك إلى المنطق دوما والمنطق هنا هو المحافظة على بيته.. زوجته وأولاده.. أما القلب فيحرضك على الرفق بحاله وحال زوجته المعذبة.. تلك الزوجة التي تعانى.. بل قد تحتضر يوميا في صمت حتى تموت موتا سريريا..
– أنها لم تؤذني إيذاء واضحا ملموسا.. لا أعلم ماذا أفعل وهى تحاول جاهدة أن تكون زوجة ناجحة .. أتألم لنظراتها وهى تحاول استرضائي.. أموت في اليوم ألف ألف مرة وهى تحادثني عن الحب وعن احتياجها للدفء بين ثنايا قلبي.. وهى تنبش عن الحب نبشا في عروقي التي كانت تسكنها منذ زمن.. لكن دقات قلبها تصاب بخيبة أمل عندما أتعلل بالإرهاق.. وأصاب أنا بسكرات قد تشبه سكرات الموت وأنا أجاريها وأقوم بتمثيل دور المحب الولهان وأنى لم ولن أر مثلها ما حييت.. أشعر حينها أنى كاذب مارق أستحق الرجم على ما أفعله بقلبها لأنها ليست غبية فقلبها حتما يستشف حقيقة مشاعري لكنها لا تعلم ماذا تقول أو كيف تتصرف.. لأنني في ذلك الوقت أغدق عليها من الكلمات والغزل ما لا يجعلها تشك للحظة أنني أردد كلمات فحسب.. وأصب عليها من فنون الحب صبا لكنه حب مزيف كحال ورقة مخطوطة بحبر أحمر قد محيت ملامحها بفعل قطرات كثيفة من المطر.
يستمر في سرد مشاعره وأجاريه بلغة جسد يفهمها ثم أتيه للحظات مع حوار داخلي بيني وبين نفسى.. في هذه الحالة ومع تلك المواقف يحار قلبك هل تتعاطف معه أم مع زوجته.. ويدور صراع لا ينتهى بين عقلك وقلبك.. فالعقل يرشدك إلى المنطق دوما والمنطق هنا هو المحافظة على بيته.. زوجته وأولاده.. أما القلب فيحرضك على الرفق بحاله وحال زوجته المعذبة.. تلك الزوجة التي تعانى.. بل قد تحتضر يوميا في صمت حتى تموت موتا سريريا.. وبحاله هو أيضا حيث يشعر تجاهها بالذنب من ناحية ومن ناحية أخرى هو يتألم بسبب مشاعره التي ماتت تجاهها ولا يعلم سبيلا للخلاص من هذا العذاب الجاثم فوق قلبه.
على المستوى المهني لا تستطيع أن تجبر مشاعره للعودة إلى الوراء في التو واللحظة.. ولا يطيعك عقلك لتتركه يتعذب.. ولن يجدى معه نفعا أن تعدد له ميزات زوجته.. لأنه يرى مزاياها بوضوح أكثر منك.. فما يكون منك إلا أن تشخص المرض ومن ثم تتفق معه على العلاج.. والتشخيص في حد ذاته هو نصف العلاج.
– حسنا ..دعنا نجرب سويا إحدى الألعاب التي ستساعدك للتخفف من همومك.
– لا أفهم.
– أنت الآن لا تحب زوجتك وأصبحت متيما بأخرى.
– نعم.
– هلا أغمضت عينيك؟
رمقني بنظرات تعجب واستخفاف.. ثم بدأ بعدها في الاستجابة.
أغمض عينيه ثم جاءه صوتي مطالبا إياه بالاسترخاء على كرسيه لأن جسده كان مشدودا من التوتر والقلق.. ثم ألقيت عليه الحقيقة التي لم يكن يدركها:
– أنت الآن جالس على أريكة منزلك تطالع نشرة الأخبار.. نادتك زوجتك.. لم تجبها في البداية ..ثم أعادت الكرة مرة أخرى.. قائلة:
– هلا أتيت إلي الآن؟
ذهبت إليها لتجدها في انتظارك متحفزة مترقبة.. تتململُ قليلا.. لكنها تخبرك ألا تنزعج لأنها ستكون المرة الأخيرة التي تناديك فيها.. تستفهم منها.. تسخر من كلماتها.. لكنك تجد حروفها صارمة ..قوية لتخبرك بالآتي:
– حبيبي.. لقد ضقت ذرعا بالحياة معك وأريد الحصول على حريتي.
تظن في البداية أنها مزحة أو أنها تقوم بالضغط عليك لكى تلبى لها ما تريد.. لكن حروفها المصرة تجبرك على تصديق ما سمعت حقا.
ثم تعيدها عليك بملء فيها ودون أن تذرف دمعة واحدة.
فزع من كلماتي.. فتح عينيه على الفور قائلا في حدة:
– ما هذا الهراء.. وماذا تعنين؟
– هب أن مشاعرها قد جفت.. ورويدا رويدا ماتت وشيعت جنازتها على يديك.. ثم أصبحت تنجذب لشخص آخر.
أعني أن الأمل يأتي عندما تحاول فقط.. أما أن تجلس هكذا دون محاولة منك لتشاهد زواجك وهو ينهار وقلبك معلق بامرأة أخرى وزوجتك تنعي حظها وفلذات كبدك ضحايا يعصرون بين شقى رحاك فذاك يختلف تماما.. شتان يا عزيزي بين من يريد أن يحاول ومن لا يريد من البداية..
اندفع الدم في جسده حتى صبغ وجهه باللون الأحمر.. ونفرت عروق رقبته حتى كادت أن تنفجر.. ثم رماني بكلماته التي لم أفهم منها سوى:
– كيف تحب آخر.. وما هذه السهولة التي تنطقين بها تلك الكلمات.
أجبته في هدوء متناهٍ:
– أليست بشرا وتحمل قلبا بين جنبيها مثلما تحمل أنت؟
– نعم.. لكنها امرأة.
-لم أفهمك.. وهل يمنع كونها امرأة ألا تحمل قلبا يئن ويصرخ أو قد ينبض مرة أخرى ليحاول أن يحيا!
-لم أقصد ذلك.. لكنه غير محلل لها ف الشرع.
-وهل حلال لك أنت؟
تلعثم قليلا في كلماته قبل أن ينطقها ثم أجاب:
– لكن النهاية معروفة بالنسبة لي.
– وما هي تلك النهاية؟
– أن أتزوج.
– ولمَ لمْ تفعل.. ألست رجلا وتملك قرارك.. وقد أحل لك الشرع الزواج بثانية وثالثة ورابعة؟
– نعم.. لقد أخبرتك.. لا أجد سببا مقنعا لأطلق زوجتي.
– سيدى العزيز.. في حالتك ليس لديك سوى مخرجين لا ثالث لهما.
– إما أن تصارح زوجتك وتتركها.. بل تعتق رقبتها من زيجتك التي أصبحت تختنق بها وهي تكتم ما تشعر به فقط لتربى أبناءها.. ولأنها أيضا لا تجد المبرر المناسب والمقنع من وجهة نظر المجتمع الذى تهدم على أساسه بيتكما.. وإما أن..
– إما ماذا؟
– أن تعيد الحب القديم بينكما.
– لم يعد لدى أمل في إعادته.
– لم يعد لديك أمل.. أم أنك لا تريد أن تحييه؟
– ماذا تعنين؟
– أعني أن الأمل يأتي عندما تحاول فقط.. أما أن تجلس هكذا دون محاولة منك لتشاهد زواجك وهو ينهار وقلبك معلق بامرأة أخرى وزوجتك تنعي حظها وفلذات كبدك ضحايا يعصرون بين شقى رحاك فذاك يختلف تماما.. شتان يا عزيزي بين من يريد أن يحاول ومن لا يريد من البداية.. من يحاول ويفشل ويحاول فيفشل حتى يصل وبين من صم أذنيه وأغمض عينيه حتى غطى الران على قلبه فأصبح لا يرى سوى راحته وشهواته.
ساد الصمت المكان وكأنى وضعته أمام نفسه.. هو ونفسه فقط.
– يا سيدى الفاضل.. لا تجبر نفسك على حياة أنت لا تريدها.. لم يبق في العمر الكثير لتتردد.. أتعلم أين مشكلتك؟
– نعم.. أنى أحب امرأة أخرى.
– لا
– وأنى لم أعد أحب زوجتي.
– لا.. بل مشكلتك تكمن في عدم قدرتك على اتخاذ القرار المناسب.
– تلك هي الحقيقة المرة حقا.
– دعني أسألك شيئا بالله.
– تفضلي.
-عدد لي المحاولات التي قمت بها لتحييي زواجك.
– ماذا تعنين؟
– الزواج.. تلك المؤسسة الكبيرة التي بوركت بسم الله.. ماذا حاولت تجاهها؟
– أنا أرى نفسى زوج جيد والحمد لله.. ألبي جميع طلبات زوجتي وأبنائي.. أساعد زوجتي في بعض الأوقات.. لا أحملها ما لا تطيق ولا أطلب منها المستحيل.. نعم أغضب في بعض الأحيان وقد أتلفظ ببعض الألفاظ التي قد تجعلها تنزوي عني.. لكنني على الصعيد الآخر أكون لين الجانب في مواقف أخرى.. وتلك بطبيعة الحال فطرة البشر.
– أختلف معك في بعض النقاط لكن دعنا من ذلك الآن.. ماذا عن مشاعر زوجتك؟
– واثق أنها تحبني.
– ومن أين لك بتلك الثقة العمياء؟
– هي تخبرني أنها تحبني. .تناديني حبيبي .. وأشياء من هذا القبيل.
– وما أدراك أنها لا تقوم بدور الممثل كما تفعل أنت؟
صدم من وقع كلماتي على قلبه حيث اتضح له أنه لم يكن يفكر في هذا الاحتمال من قبل.
– أليس من المحتمل أنها لم تعد تحبك كما تبادلها أنت نفس المشاعر؟
– لكنها تلح في طلب الحب بكل الطرق.
– وهذا خير دليل على صحة ما أقول.
– لا أفهمك.
-هي تحاول جاهدة استجداء الحب.. ليس لأنها تذوب عشقا في هواك.. بل لأنها تحاول مستميتة أن تحافظ على علاقتكما.. لكى تنقذ ذاك الزواج الذى اهترأ. أعلم أنك لست المذنب الوحيد وأن أصابع الاتهام لا تشير إليك وحدك.. بل أنت وزوجتك شريكان في موت الحب بينكما.. حتى جارت الحياة الروتينية على قلبيكما.
يعطش الحب وتجف جذوره فيحتاج إلى من يسقيه يوما بعد يوم.. إن أهملته فقد حكمت عليه حكم الميت الحي الذي تتحرك نبضات قلبه على جهاز تنفسي وروحه معلقة بين السماء والأرض.
الحب يا سيدى هو كائن حي.. حاله مثل حال أي كائنٍ حي.. يتنفس بالاهتمام.. يتغذى على التفاهم.. ينام على التقدير.. يستيقظ على الاحترام.. يتلمس راحته بين يدى من يحبه.. يبحث دوما عن الاحتواء والتدليل.. يبتعد عن المناطق التي تسبب له ألما.. ويركن إلى مناطق راحته.. واحته الغناء داخل قلب شريكه وحبيبه.. أما عن أعدائه.. فحدث ولا حرج فالقهر والشك والألم والعتاب والتوبيخ والنقد والسخرية وغيرها هي من ألد أعداء “الحب”.. ولا تنفك يوما عن التلون أو التحدث باسم الحب.
يعطش الحب وتجف جذوره فيحتاج إلى من يسقيه يوما بعد يوم.. إن أهملته فقد حكمت عليه حكم الميت الحي الذي تتحرك نبضات قلبه على جهاز تنفسي وروحه معلقة بين السماء والأرض.
يحتاج الحب منكما أنتما الاثنان بذل مجهود تلو الآخر حتى يرفرف مرة أخرى على قلبيكما.. يحتاج الكثير من الصبر.. حتى يستطيع أن يتفهم كل منكما الآخر مرة أخرى.. حتى تلتقيا في منطقة ترضى الطرفين.. حتى تفهم مشاعرها و تلامس دقات قلبها مشاعرك.. حتى تدرك هي احتياجاتك الجديدة التي بدأت روحك في البحث عنها.. بل حتى تسترجع احتياجاتك القديمة التي تناستها عبر الزمن.
تحتاج أنت أيضا أن تقتطع من وقتك كل يوم حتى تسمعها.. تحاورها وتحاول إزالة تلك المشاعر السلبية تجاهك.
لقد اتجه كل منكما الى منطقته وانزوى إليها حتى صارت منطقة راحته وأصبح من الصعب عليه تركها والبحث عن راحة أخرى.
فصارت منطقة راحتها مع أصدقائها وأبنائها.. وتقوقعت أنت في ركنك الأفضل مع تلك التي أصبحت تكن لها مشاعر جديدة.. وبعد فترة من الوقت لن تصبح هي راحتك بل سيصبح وقتك معها مليئا بالتوتر والقلق.. حتى وان اتخذت قرارا بالزواج منها ستعود إلى نفس الدائرة.. ولن تستفيد شيئا سوى مسؤوليات تلو الأخرى وبيت آخر أصبحت مطالبا بالاهتمام به ليس ماديا فقط.. بل من جميع النواحي من تربية أبناء ورعاية زوجة.
أنت لا ترى يا صديقي سوى وجها واحدا من العملة وهى الجهة المقابلة لك.. احتياجاتك.. راحتك.. رغباتك.. ولم تبذل جهدا قط في النظر إلى الوجه الآخر للعملة وهو احتياجات زوجتك ورغباتها.. فأنت ترى أن احتياجاتها تتمثل في طلبات مادية.. وأن طالبتك بحب فأنت غير متاح حاليا متعللا بالإرهاق أو مستجيبا على غير رغبة منك.
ما تحتاجه حقا يا عزيزي هو مصارحة زوجتك بما تعانى.. أن تخبرها أنك تريد أن تبدأ معها صفحة جديدة في الحياة.. أن تستمتع بها لتستمتع هي أيضا بك.. أن تسألها ماذا تحب وماذا تكره.. وأن تخبرها عما تعشق أنت وعما ينفرك.. من هنا فقط ستجد ضالتك المنشودة وستحيا مشاعر الحب بينكما من جديد.. إن أردت حقا أن تستشعرها مع زوجتك وليس مع امرأة أخرى.
خبيرة اجتماعية ومستشارة أسرية مصرية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

