د. ديمة طهبوب تكتب: تمليك الإسلام للناس

إن على المشروع الاسلامي أن يوسع للناس بحسب إقبالهم ورغبتهم وقدرتهم، فمن يريد العمل مع الإسلام لعدالته السياسية والاقتصادية، فذلك نصير يسهم في التمكين النهائي للإسلام. يتبع

لقد رأى العبد الحبشي بلال بن رباح في الإسلام حلما يفوق حالة الإيمان والعبادة والانتقال من دين إلى دين، لقد وجده حالة متفردة فوق السائد من الأنظمة الدينية والسياسية، فالإسلام يقدم المرء لذاته وعمله فوق كل اعتبارات أخرى لا يكون له فضل في تحصيلها كالنسب والثروة و المكانة الاجتماعية!

لقد أبصر باستشراف المؤمن ما حصل لاحقا فتحمل أشد أنواع العذاب لأن هذا الدين عندما سيتمكن سيمكنه من أن يصبح سيدا يصعد على سطح أقدس حرم للعرب لينصت له الجميع وهو يصدح بأذان الحق، كان دين الإسلام والتمكين له مشروعه الخاص وحلمه الشخصي وإنجازه الذاتي.

“و ماذا لنا إن فعلنا ذلك؟” سألها الصحابة في بيعة العقبة يستفسرون عن مكاسب هذه البيعة التي سيبذلون لها أنفسهم وأموالهم وأهلهم، فلما علموا أنها الجنة عقدوا عقدا لا رجعة ولا إقالة ولا استقالة فيه، المعرفة كانت ضرورية في الدنيا لأن العمل والتقديم سيكون فيها، وهذا الدين نزل ليحيا به الناس حياة طيبة في الأولى يعملون فيها لحياة أطيب في الآخرة، ولذا قيل إن العابد لله ملِك في الدنيا ملِك في الآخرة، إن الإسلام يريد لك أن تعيش ملِكا بقوانين مالك الملك، تسخر ما أعطاك إياه بأعظم قوة و أكبر فائدة.

لكن لم يكن كل الصحابة مثل أبي بكر وعمر ولا العشرةَ المبشرين بالجنة، ولكن كلا منهم وجد له مكانا ومكانة ووظيفة في مشروع الدولة الإسلامية، وبعضهم لا تذكر له السيرة سوى موقف واحد اشتهر به كموقف نعيم بن مسعود في غزوة الخندق في التفريق بين اليهود والمشركين وقومه من غطفان.

إن على المشروع الاسلامي أن يوسع للناس بحسب إقبالهم ورغبتهم وقدرتهم، فمن يريد العمل مع الإسلام لعدالته السياسية والاقتصادية، فذلك نصير يسهم في التمكين النهائي للإسلام

ومن غاب من الأسماء و الشخصيات في الخطوط الخلفية لصناعة الإنجازات أكثر ممن حضر ووثقت أسماؤهم في كتب التاريخ، فكل جيش كان يصحبه من يداوي الجرحى ومن يطبخ لهم ومن يسن السيوف ومن يدفن الشهداء و و و، وكلهم بلا استثناء كانوا جزءا من المشروع أيا كانت مواقعهم في المقدمة أو المؤخرة أو الميمنة أو الميسرة، كلهم كان يحمي ثغرته و كأنه الجندي الوحيد في الجيش، وكلهم كان يرى نفسه المدافع الأول عن الدين.

كان هناك أناس كثر ليس لهم كثير عمل و لكنهم كانوا أنصارا بقلوبهم ينتظمون في السياق العام للدولة يصيبون أحيانا ويخطئون أخرى ويخلطون أعمالا صالحة وأخرى سيئة، ولكنهم لا يخرجون عن مظلة الإسلام، هذا هو النجاح الذي حققه الإسلام في العصور الأولى في جعل الناس على اختلاف أحوالهم من الالتزام بالدين يرون لهم مكانا ودورا  ومواطنة كاملة يكون فيها التقديم للمكين الأمين أكثر من المتدين ضعيف التدبير.

بل إن هذه السياسة في توسيع قاعدة الأنصار والحلفاء والأتباع تشمل المخالفين أيضا، والضمانة أن العدل هو أساس الفصل بين الناس دون أي اعتبارات أخرى بما فيها الدين، وهذا ما جعل المسلمين ينصفون النصارى و اليهود على أبناء دينهم وما جعل أهل سمرقند يدخلون في الاسلام زرافات ووحدانا بعد أن قضى القاضي المسلم لهم بخروج جيش المسلمين من أرضهم لأنه لم يتبع معهم قوانين الفتح في الإمهال وعرض الجزية.

بهذا الفهم جعل عمر بن عبد العزيز يكفل النصارى من كبار السن من بيت مال المسلمين، فالمحتاج نسد حاجته دون النظر إلى دينه، إن هذه الفسحة جعلت سيدا كأبي سفيان يقتنع بدخول دين ناصبه العداء طوال عمره،  لكنه أدرك أن هذا الدين لن ينتقص من قدره، وأن بيته سيظل مكفولا له الاحترام و المكانة، ومن دخله كان آمنا.

عندما يشعر الناس أنهم شركاء أصيلون في رسالة الاسلام و لو بموطئ قدم؛ عندها بإذن الله سيكون التمكين لهذا الدين في الأرض صك ملكية الاسلام

إن على المشروع الاسلامي أن يوسع للناس بحسب إقبالهم ورغبتهم وقدرتهم، فمن يريد العمل مع الإسلام لعدالته السياسية والاقتصادية، فذلك نصير يسهم في التمكين النهائي للإسلام، ومن يجد في الإسلام جمالا فكريا وروحانية عالية أو تنمية لمواهبه فذلك أيضا عنصر قوة في المحصلة، فهناك أناس يعملون في دائرة المركز وهناك أناس يعملون على الأطراف وهناك آخرون يراقبون دون أذى، و الله سبحانه وتعالى ”لا يشترط أن يكون كل المجتمع نماذج عالية في الإيمان و العبادة و الخضوع للأحكام الشرعية حتى يأذن بنزول رحمته التي تكون الحرية السياسية شكلا من أشكالها بل هو سبحانه أوفر رحمة وأحنى وأعظم شفقة وتكفيه وترضيه سيرة إيمانية مزدانة بفقه العمل، تظهرها أرهاط من الناس، فيهب المسيء والمحسن، فتنتشر أنوار الحرية في الآفاق، والذي يشترط إيمان الجميع متنطع، بل لا يفهم الحياة لأن الله خلق الهمم والعقول والقلوب درجات.

وحسب الدعاة أنهم يقودون الطاعات , لكن الإسلام جمع  في سيرته الأولى ما بين المقربين الشهود، وآخر رجل يدخل الجنة، وحتى الموقوفون على الأعراف وعدهم بالرحمة، فما بال القائمين بالدعوة إلى الإسلام يضيقون الواسع ويوغلون بغلظة ويصنفون الناس بالمسميات المختلفة ويحكمون على التزامهم ودينهم، وهو أمر لا يعلمه إلا الله و ما لنا سوى الظاهر، فيدخلونهم و يخرجونهم من باحة الإسلام وكأنهم يملكون المفاتيح إلى الجنة أو صكوك الغفران أو الخسران؟!

عندما يشعر الناس أنهم شركاء أصيلون في رسالة الاسلام و لو بموطئ قدم؛ عندها بإذن الله سيكون التمكين لهذا الدين في الأرض صك ملكية الاسلام، صك رباني كتبه الله لجميع عباده المؤمنين، و ما نحن إلا شهداء على الناس أفضلنا من أطمع الناس بفضل الله، ولم يقنطهم من رحمته.

د. ديمة طارق طهبوب
كاتبة و ناشطة اعلامية أردنية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان