تهل علينا هذه الأيام ذكريات أليمة،ذكريات تعيد علينا أحداثا مرت ما نسيت, تلك المذابح المنسية والتى تكاد لا تذكر ولا يعلم الكثير عن تفصيلها وقع خلالهاأكثر من اثنين وخمسين شهيدا
تهل علينا خلال هذا الأيام ذكريات آليمة ،ذكريات تعيد علينا أحداثا مرت ما نسيت، ذكريات لمشاهد حفرت في الذاكرة لأحباب قضوا وما فارقونا, ذكريات رسمت بمداد من الدم الأحمر القاني لشهداء بذلوا أغلي ما يملكون من أجل دينهم ووطنهم, ذكريات لمذابح دموية هلل لها إعلام سحرة فرعون كأنها انتصارات حققت على عدو لدود يتربص بنا،
ذكريات لوقائع وأحداث اشتهر بعضها وذاع صيتها ، ونسي البعض بل تكاد لا تذكر إلا لماما.
ومن تلك المذابح المنسية والتى تكاد لا تذكر ولا يعلم الكثير عن تفصيلها بالرغم من أنه قد وقع خلالها أكثر من اثنين وخمسين شهيدا وما يقارب الألف وخمسمائة جريح … هي مذبحة مصطفى محمود .
وقعت أحداث المذبحة في ذات يوم الفض عام 2013 يوم 14 أغسطس ، وقد دارت أحداث ووقائع المذبحة في الميدان الشهير الذي يقع مباشرة أمام مسجد مصطفى محمود الواقع بمنطقة المهندسين بوسط محافظة الجيزة ، هذا الميدان الذي ارتبط اسمه لفترة بأنصار الرئيس المخلوع مبارك وذلك إبان أحداث ثورة يناير 2011 حيث كان يستغل دائما خلال تلك الفترة كمكان لتجميع أنصار مبارك ، ومنه انطلقت الجموع المصحوبة بالجمال والحمير لمهاجمة المتظاهرين بميدان التحرير يوم موقعة الجمل 2 فبراير 2011 .
هذا الميدان الذي تدنس يوما بأنصار الثورة المضادة وحكيت فيه مؤامرة الهجوم على ثوار يناير، شاء المولى أن يشهد يوما آخر تراق فيه على أرضه دماء ذكية طاهرة نقية تغسل وتطهر أرضيته من آثار الدنس وتعيده نقيا طاهرا .
شاء الله وشرفني بحضور أحداث هذه المذبحة، وحرمني سبحانه من أن أنال وسام الشهادة الذي أنعم به سبحانه على شباب ورجال أطهار أبرار كان بينهم وبين الله حال وسر لا يعلمه إلا الله ، فاتخذهم شهداء ? وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء? واختارهم دون غيرهم لينتقلوا من دنيا زائلة إلي جنة باقية أحياء عند ربهم يرزقون ? وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ? .
تبدأ أحداث يوم الفض معي منذ الصباح الباكر قبل أن تبدأ القوات الغاشمة في الهجوم ، حيث كنت متوجها لأمر ما إلي المنطقة المحيطة بإعتصام رابعة مستقلا سيارتي ، وما أن إقتربت من مدخل اعتصام رابعة حتى رأيت الجرافات والمجنزرات والقوات الخاصة ، في مشهد لا يتداعى في الذاكرة إلا مع مشهد القوات الغاشمة للعدو الصهيوني وهي تدمر وتدك بيوت الفلسطينين ، رأيت مشهدا رهيبا لقوات وآليات من الجيش والشرطة يحاولون في هذه الساعة المبكرة أن يقتحموا الاعتصام ، مع وجود أصوات لصفير ومكبرات صوت تنادي بجمل لم أفهمها لعدم سماعي لها جيدا في ظل وجود ضجيج لا يحتمل لأصوات الجرافات والمجنزرات وآليات لا أعلم ماذا تسمى .
فلم أتمكن من الوصول الى الإعتصام ، فاستدرت بسيارتي لمحاولة الخروج من مكان الأحداث وظللت قرابة الساعة اتنقل في شوارع المنطقة لمحاولة الخروج ، حتى استطعت مغادرة منطقة الاعتصام بصعوبة لتحولها إلي سكنه عسكرية .
أردت ساعتها اللحاق بالمعتصمين في ميدان النهضة فأجريت الاتصالات وعلمت أن هناك تزامن في فض ميدان رابعة وميدان النهضة ، وأن هناك محاولات لتجمع المعتصمين في ميدان الجيزة الذي يبعد مسافة ليست بالبعيدة عن ميدان النهضة ، فسلكت طريقي للوصول الي هناك ، وتوالت الاتصالات مع بعض المعتصمين وعلمت بالهجوم عليهم وتفريقهم من ميدان الجيزة وأن هناك محاولة لتجمع المعتصمين مرة أخرى في مكان في شارع الهرم ، وايضا وأنا في الطريق تغيرت وجهة المعتصمين ليتجهوا بصفة نهائية الي ميدان مصطفى محمود ، فغيرت وجهتي للمرة الأخيرة في هذا اليوم ، وعلمت بعدها أن هناك مجموعات من المعتصمين كانوا قد وصلوا إلي نهاية شارع الهرم من ناحية نصر الدين قبل نفق الجيزة وأنهم تجمعوا هناك ولم يستطعيوا عبور النفق لتمركز قوات كبيرة من الجيش والشرطة به وبمجرد رؤيتهم للجموع إنهالوا عليهم بقنايل الغاز وبالرصاص الحي والخرطوش ولم يجد المعتصمون إلا الحجارة للدفاع عن أنفسهم ، وسقط من المعتصمين أعداد كثيرة , شهداء ومصابون ، وتلك مذبحة أيضا من المذابح المنسية … فيها الكثير ليحكى ولكن في مقال آخر .
توجهنا إلى ميدان مصطفى محمود ووصلنا إليه بصعوبة بالغة بسبب تنبه قوات الانقلاب لمحاولة المعتصمين التجمع فيه فبدأوا في حصار الميدان من جهة شارع البطل احمد عبد العزيز ، وبالفعل كانت آخر نقطة استطعنا الوصول إليها بالسيارة هى ميدان سفنكس وترجلنا بعدها للوصول للميدان من اتجاه سفنكس وبمجرد وصولنا كانت آليات القوات المهاجمة حاصرت الميدان وأغلقته من هذا الاتجاه بشارع جامعة الدول العربية وشارع البطل احمد عبد العزيز .
وبعد ذلك علمنا أن مجموعات من البلطجية المدعومين من الشرطة السرية بلباس مدني قد أغلقوا اتجاه الميدان بشارع جامعة الدول العربية من ناحية القادم من شارع السودان لقرب هذه الاتجاه من منطقة بولاق الدكرور وغيرها ، ولم يتبق للمعتصمين المتوجهين للميدان إلا الوصول إليه من الشوارع الجانبية من ناحية الدقي والشوارع خلف مسجد محمود أو من ناحية ميت عقبة وشارع سوريا وغيره مما يعني السير مسافات طويلة للوصول للميدان .
بدأ المعتصمون بعد ازياداد أعدادهم في تحصين أنفسهم بالميدان تحسبا لهجمات الغدر والخسة من قوات الإنقلاب ، فشرعوا في عمل حواجز ومتاريس في مداخل الشوارع الجانبية المؤدية للميدان ، صنعوها مما توفر لهم بالميدان من أخشاب وأحجار ومخلفات متنوعة ، ونظموا نوبات حراسة من المعتصمين على تلك الحواجز ، فأصبح المعتصمون منقسمين قسمين ، قسم يقوم بجمع المخلفات المتنوعة لتدعيم السواتر ، وقسم يقوم بالحراسة والمناوبة ، وتحسبا للهجمات بالغاز تم تجميع كمية من زجاجات الكولا لاستخدامها ضد أثر الغاز عند التعرض له.
وكان الهدف من تجمع معتصمى النهضة في ميدان مصطفى محمود بعد فض الاعتصام ، هو التعبير عن رأيهم الرافض لنظام دكتاتوري انقلابي غاشم استولى على السلطة واعتقل الرئيس الشرعي للبلاد وإيصال رسالة احتجاج عن فض الاعتصامات السلمية بالقوة وكذا إظهار إصرار مؤيدي الشرعية على مواصلة الدفاع عن حقوقهم بكل الطرق السلمية الممكنة رغم رفض الانقلاب لها.
وبالتالي تم البدء في تشييد منصة في صدر الميدان لاستخدامها في إرسال الخطاب الإعلامي للمعتصمين ، ونجح المعتصمون بالفعل تشييدها بالرغم من قلة وضعف الإمكانات المتاحة لهم بعد حصارهم بالميدان من القوات والبلطجية معا .

وبعد مرور حوالي الساعتين من توافد المعتصمين على الميدان بدأت عملية إطلاق نار عشوائي بدون أي مقدمات من جهة شارع البطل أحمد عبد العزيز من نقطة تقاطعه مع شارع الشيخ صالح موسي المؤدي للميدان موازيا لشارع جامعة الدول العربية مرورا بسفارة دولة قطر ، مما أدى إلي تدافع جموع من المتظاهرين إلي هذه النقطة لمساعدة الإخوة المتمترسين خلف الحاجز المقام ، وسقط عدد من الشهداء والمصابين .
وهنا دعت الحاجة إلي إقامة مستشفى ميداني لإسعاف الجرحي ، وبالفعل حاولنا إقامتها في المسجد ولكن القائمين علي إدارته أشاروا إلى مكان آخر في الدور العلوى من جمعية مصطفى محمود , وتمت إقامة المستشفى الميداني فيه ، وشرع المستشفى في استقبال الشهداء والجرحي ، وبعد صلاة الظهر حوالي الساعة الواحدة تقريبا أعلن القائمون على المستشفى أنهم غير قادرين على استقبال حالات أخرى بسبب إكتظاظ المكان بالحالات ولم يعد هناك موضع قدم لوضع شهيد أو مصاب (على حد تعبير الدكتور المشرف على المستشفى) .
وبالتالي تم ترتيب الأمر لتحويل الحالات الحرجة من الجرحي إلي مستشفى السلام ومستشفي دمشق الواقعتين بمنطقة المهندسين ، وقد بلغ عدد الحالات الحرجة التى تم تحويلها الى المستشفيات سالفة الذكر عشرين مصابا كلهم في حالة خطرة نتيجة أصابات مباشرة بالرصاص الحي في أماكن مختلفة بالجسد ، وقد بلغ عدد الشهداء والمصابين في نهاية اليوم ــ في أقل التقديرات ــ أكثر من 52 شهيد ، وما يقارب 1500 مصاب من بينهم نحوعشرين مصابا كانت حالتهم حرجة جدا .
أيمن صادق – برلماني مصري سابق
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
