أحمد رامي يكتب : من أي رحم أتى شباب هذا الجيل (2-2)

أغلب من له سيارة خاصة وضعها حائلا أمام الجرافات فكانت تزيحها وتتقدم ببطء إلى قلب الميدان، وظل الوقت يمر دقائق كالأيام الثقيلة من وقع الألم إلى أن اقتربنا من المغرب. يتبع

 من أمام مستشفى التأمين الصحي بمدينة نصر بوسط القاهرة ، التقيت بأحد الإخوان الذين أعرفهم من المطرية فسألته، هل من ترتيبات محددة هو على علم بها علينا أن نقوم بها فقال لي ( نحن نحاول المناوشة مع قوات الأمن التي تحاول الاقتحام للميدان حتى نخفف الضغط على من هم بالميدان وحتى تنفد ذخيرتهم ).

وبالفعل حدث وقف لإطلاق النار قرب صلاة الظهر،  يبدو أنه كان بسبب انتهاء ذخيرة القوات التي آتت فى الصباح ، ظللت أسير  ما بين ش الطيران و ما بين ميدان الساعة والوقت يمر ولا اجد مدخلا للمرور منه للميدان ولا يستطيع أحد الخروج .

أبرز ما لفت نظري أمران مشهد الجرافات وهى تتحرك صوب الخيام من اتجاهين ..ميدان الساعة لميدان رابعة و من شارع  أنور المفتي .

كنا نتواصل تليفونيا مع من بالميدان خاصة في المستشفى وكان مما فعله المعتصمون لإعاقة الاقتحام خاصة في ظل عدم إمكانية الخروج هو أن أغلب من له سيارة خاصة وضعها حائلا أمام الجرافات فكانت الجرافات تزيحها وتتقدم ببطء إلى قلب الميدان، وظل الوقت يمر دقائق كالأيام الثقيلة من وقع الألم  إلى أن اقتربنا من المغرب.

بدأت القوات تسمح بخروج المعتصمين، فكنت انتقى منهم الأكثر احتياجا لأن أنقله بسيارتي ، فأخذت شبابا من غير المقيمين في القاهرة و سيدة كانت تبكى بشدة، وركب فوق السيارة عدد أخر.

ركبت السيدة بجواري وهى تبكى بكاء ما بين المسموع والصامت، وكانت تحاول الاتصال تليفونيا بشخص ما فى الطريق عر فت أنها تحاول الاتصال بزوجها، وأنهما افترقا منذ الظهر لأنه أصيب في رأسه و تم نقله للمستشفى

لكن السيدة لا تريد أن تصدق أن الاصابة في الرأس مع ما أعلن من الساعات الاولى للصباح من نفاد الأدوات و الأدوية من المستشفى تعنى أن زوجها قد لقى ربه شهيدا.

و في طريقنا لمنزلها في مدينة نصر مررنا على محل عمله، فكلمتني كأنها تحدث نفسها، أو ربما العكس (شغله هنا كنت ساعات بجيب له طعام الغذاء ، لأنه قريب من البيت) واستكملت بكائها

وصلنا إلى منزلها وكان المغرب على وشك الأذان وساعات الحظر تقترب و الكمائن في الطرق الرئيسية والشباب في المقعد الخلفي من خارج القاهرة أريد أن اتركهم في مكان أمن .

ومنزلي لم يعد آمنا فقد تمت مداهمته قبل يومين لإلقاء القبض علي ولم أكن موجودا، وتركتها وهى ترفض تصديق أن زوجها مات، بل ربما يكون ممن تحترق جثثهم بمسجد رابعة .

ظللت أسير بسيارتي هاربا من الكمائن، إلى أن وجدتي فى التجمع الخامس، إلا أن قربت ساعات الحظر فاقترحت على أحدهما النزول والمبيت في مسجد حتى الصباح ووصلت بالاثنين الأخرين إلى موقع العاشر مع الوصية بعدم  التحرك إلا بعد ساعات الحظر .

بعد أقل من 48 ساعة كنت مشاركا في مسيرة من عين شمس حتى رمسيس وكانت الأعداد من الكثرة، لا تعرف منها أين أول المسيرة وأين آخرها، إلا أنها لم تتجاوز الـ100 ألف.

وعندما وصلنا إلى كوبرى غمرة بدأ إطلاق رصاص حي وخرطوش على مقدمة المسيرة من الاتجاه القادم من العباسية .

أثناء ذلك اقترب منى شاب هادئ الوجه بشوش خفيض الصوت،  وسألني هل يوجد معي مكان في السيارة أصطحب فيها شابة كانت تقف بجواره باكية إلى منزلها في عزبة النخل ؟

فأجبته نعم .

كان مع تلك الشابة العشرينية سيدتان عرفت لاحقا أنهما أمها وأختها فاصطحبتهما و أنزلت أبنائي من السيارة على أن يعودوا مع الجيران،  لما لمحته على وجه السيدات من آثار خطب جلل حل بهن.

بعد ما ركبا السيارة في المقعد الخلفي علمت من حوارهما أن خطيبها  استشهد في ميدان رمسيس وأن الشاب الهادئ الثابت الذى حدثني هو شقيق الشهيد .

يا الله من أي رحم آتى شباب هذا الجيل !

وفى طريقنا كانت المكالمات تنهال على تليفون الشابة العشرينية وكانت تخبر محدثيها بوفاة خطيبها ، وكان مما تقوله” مش عاوزين حد نضيف في البلد …مين ح يفكرنا بربنا بعدك يا..

و من حوار الشابة مع مرافقتيها علمت أن منزلهما بالقرب منه، كان هناك مسجدا والشهيد كان أحيانا ما يخطب الجمعة فيه و كانت الفتاة تتابع الخطبة من منزلها .

وأن الشهيد كان محفظاً لأطفال المنطقة القرآن الكريم .

بدأ الوقت يقترب من المغرب و بدأت تنصب لجان أو كمائن أغلبها من الأهالي  رافضي الانقلاب,  صورة ذهنية خلاف الواقع عنهم .

و كانوا يستوقفوننا كل بضع مئات من الامتار متسائلين من أين آتينا و إلى أين نتجه وربما فتشوا السيارة

 كانت كلما مررنا من كمين تتمتم ببعض الكلمات ذكرا لمأثر الشهيد ربما بسبب ما تستدعيه تحت أثر معاملة الواقفين على ما نمر به من كمائن من سلوكيات خلاف سلوك الشهيد فبضدها تتميز الأشياء.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان