تم سرقة كاميراتهم وهارداتهم وأجهزة اللابتوب والآيباد, ولكن بقيت حقيقة واحدة وسط هذا الانتهاك، كارت ذاكرة تم تسريبه بطريقة ما لتعيش الصورة وتموت المعدات.. يتبع
حبيبة عبد العزيز، تلك الفتاة الهادئة قابلتها مرة واحدة بالمركز الإعلامي, تتقدم بعبائتها الجينز الزرقاء بخطوات بطولية نحو شيء ما تصوره، تمر من أمامي أنا المختبئ وراء شيء ما ليحميني, حبيبة كانت تمشي بخطى ثابتة بكاميرتها الصغيرة المثبتة على الحامل مرتدية كمامتها التي تقيها الغاز, وهو يتساقط من حولها, يتراجع الرجال بينما تتقدم هي مما يفرون منه, عادت حبيبة شهيدة من غدر رصاصة أصابت كبد الحقيقة.
ع خ .. رافقني بكاميرته في أغلب المواقع في رابعة، كان جسوراً، كان يخيفني من الاستهداف طوله المفرط، كان لصيقاً بي نحتمي بظهور بعضنا البعض، جمعتنا خيمة واحدة في الظاهرة التي أصابت الجميع تقريباً “غفينا حتى الثمالة”. افترقنا إلى حيث لا يعلم أحدنا أين الآخر. انتشرت لقطاته في أنحاء العالم كافة.
ي ش .. مصور غير صحفي وجدته في المستشفى الميداني غارقا في دمائه، تغطي دماؤه الكاميرا ووجهه وأجزاء من ملابسه، دخل ليأخذ إسعافاته الأولية وعلمت أنه خرج ليكمل ما كان يقوم به، فانتشرت صوره تجوب صفحات الفيسبوك والسوشيال ميديا.
مصعب الشامي .. ذلك الفتى الذي قابلته مرة واحدة في ميدان رابعة يقتله الفضول ليعلم ويتعلم عبر أسئلة لم تنفد منه حتى افترقنا، المحارب المغوار الذي علمت عنه أنه حمل على عاتقه كاميرا الجزيرة بعدما علم أنها وحيدة بلا مصور, حمل رايتها يجوب بين الدماء والأجساد بين الآهات والصرخات، بين الأحياء والأموات ليتلقى رصاصة غادرة ليسقط مصعب والكاميرا معاً, قامت الكاميرا لتكمل شريطها, ودفن مصعب مسلماً رايته لغيره.
حمد عاصم السنوسي .. ذلك الفتى الذي رأيته يحتضن كاميرته نائماً فوق المنصة، وحين سألته: لم المنصة اختيار للنوم؟ قال لي إنه يراه مكاناً مناسباً لسماع أي صوت من أي مكان, ياله من ذكاء, وحدث, وأتت مذبحة الحرس الجمهوري بما تشتهي الأنفس التواقة للشهادة, قام الشهيد، صوب المعركة، رفع كاميرته نحو قاتله, لم يكن يعلم أنه قاتله, اخترقت الرصاصة عين الكاميرا قبل أن تستقر في جسد البطل الصغير، فضح الشهيد قاتله، وشاهد العالم ما صور.
ع ع .. لم أكن أعرفه, و لكنه عرفني بنفسه بعد المذبحة, قال لي قمت بتصويرك أثناء التصوير، كانت الصورة الوحيدة لي في ميدان المقتلة، وكالات أجنبية قامت بنشر أعماله.
مريم .. تلك الفتاة المنتقبة التي آثرت أن تصور بكاميرتها الصغيرة وسط الحشود بالصفوف الأولى، فتلقت رصاصة في رأسها أردتها شهيدة فوراً.
عماد الدين السيد والموحد بالله .. مخرج ومصور بالجزيرة, تعرضا للضرب المبرح والسباب أثناء خروجهم من الاعتصام على يد جيش مصر, رأيتهم بأم عيني تُنتهك كرامتهم, كان بصحبتي أحد المجندين ليسلمني لضابط آخر, لك أن تتخيل أن ترى صاحبيك تهان كرامتهما و ليس باستطاعتك مساعدتهما, مررت عليهما كأنه شريط فيديو يمر بطيئاً جداً, أريد مد يد العون لهما ولكنها لن تكون مفيدة وخاصة لو تم اعتقالنا جميعاً, لن يعرف أحد عنا شيئا, آثرت السكوت حتى أبلغ إدارة القناة ما حدث لزملائي, تم سرقة كاميراتهم وهارداتهم وأجهزة اللابتوب والآيباد, ولكن بقيت حقيقة واحدة وسط هذا الانتهاك، كارت ذاكرة تم تسريبه بطريقة ما، لتعيش الصورة وتموت المعدات.
كاميرا البث المباشر التي استهدفتها إحدى الطائرات المروحية على مئذنة مسجد رابعة العدوية فقصفت عدستها وأردتها هي الأخرى شهيدة، ولكن ذاكرتها كانت قد نقلت كل شيء.
كاميرتي الشخصية، التي آثرت عليها بطاقتي الذاكرة وملؤهما الدماء والقتلى وفضائح شرطتنا الجسورة وجيشنا الهمام، آثرتهما على كاميرتي تركتها في مئذنة المسجد مخافة استهدافي أثناء الفرار بهما لإنقاذهما ليشهد العالم ما امتنعت كاميرات حكومتنا العسكرية من نشره. آثرت بقاء الأم لإنقاذ ولديها, تركت عزيزتي على أن أعود قريباً لالتقطها. اعتقدت أن المكان آمن, فالمسجد حرم من حرمات الله, ظننت أنه لن يقترب أحد من المسجد أو يتعرض له، هكذا ظني في المسلمين، و جيشنا مسلم, و لكن احترق المسجد بذلك السلاح الذي يخرج ألسنة من اللهب فيحترق أي شيء في ثوان.
عدت فلم أجد الكاميرا, كانت قد استشهدت احتراقاً كالمعتصمين تماماً, و كذلك المسجد.
الكاميرا سلاحي, هذا الشعار طالما رفعه المصورون في فعاليات الاشتباك والموت. وطالما اكتسبت بينهم أصدقاء، منهم الشهداء ومنهم الأحياء، ومن ذكرتهم هم جزء وليس الكل.
هناك من لم أتذكرهم و هناك الأشد بطولة منا.
الكاميرا سلاحي, يدفن المصور بها حياً متذكراً كل شيء في باطنه لا ينسى.
إن كان ميتاً فبطاقات الذاكرة حية لا تموت.
إبراهيم المصري
مصور
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
