سالم المحروقي يكتب: انثروا “الثلوج” فوق جثمان “العريس”

“شفت ابني كان عريس زى الفل إزاي؟ والنبي تصور العسل ده”. هكذا خاطبتني هذه الأم الريفية البسيطة التي كانت تجلس عند رأس ابنها “البكري” وسندها.. يتبع.

 

سالم المحروقي – صحفي وإعلامي مصري

“شفت ابني كان عريس زى الفل إزاي؟ والنبي تصور العسل ده”. هكذا خاطبتني هذه الأم الريفية البسيطة التي كانت تجلس عند رأس ابنها “البكري” وسندها فى حياتها الذي تجاوز العشرين عاماً بقليل، وتأتي بقطع الثلج لتنثره على جثمانه الملفوف في كفنه الأبيض خوفا من تعفنه مع ارتفاع درجة الحرارة، وبرغم الصدمة التي حلت بها بعد فراق أعز الأحباب، فقد كانت صابرة ومحتسبة وتحمد الله كثيرا، ليس فقط لأنه من الأحياء عند ربهم يرزقون، ولكن لأنها تمكنت من العثور على جثته وملامحه واضحة عكس عشرات الجثث المتفحمة والمبتورة والمجهولة  التي امتلأ بها مسجد الإيمان بمدينة نصر، والذي تحول إلى أكبر “ثلاجة موتى” في تاريخ مصر، حيث استقبل  مئات الجثامين من ضحايا مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية.

آيات قرأنية  تنطلق من مكبرات الصوت داخل المسجد، ودعوات على كل من خان وقتل، ورائحة الموت تنبعث من كل مكان, وسيدات يلوحن بأعواد من البخور لتخفيف الرائحة، بينما عدد من الشباب ينقلون مكعبات كبيرة من الثلج ويلقونها فوق الجثث، فيما أخذ آخرون ينتقلون بينها ويصبون عليها  مادة مطهرة، وسط استغاثات متواصلة بتوفير أعداد من المراوح لتبريد الجثث، حيث لم تفلح كميات البخور ومعطرات الجو في منع  تصاعد الرائحة في ظل حالة من الهستريا تنتاب أهالي الضحايا على الجثامين التي مر عليها أكثر من 24 ساعة من دون إكرامها ودفنها، خاصة مع لهيب الحر فى  أغسطس/آب، وبعضها من الأقاليم والصعيد وتنتظر ساعات سفر طويلة  قبل تشييعها.

جئت إلى المسجد في مهمة عمل لنقل مايحدث لـ”الجزيرة مباشر مصر ” وقبلها بساعات كنت قد علمت بنبأ استشهاد أربعة (بلدياتي) من أشمون بالمنوفية، هم: الأستاذ هيثم زنون، والمهندس عماد عكاشة، والمهندس سيد بكري، والشاب إسلام صقر، حزنت عليهم جميعاً بالطبع فكلهم كانوا محل حب واحترام وتقدير من يعرفونهم، إلا أن فاجعتي كانت أكبر في قريبي وحبيبي هيثم زنون الذى تعلمت منه الكثير فى حياتى خاصة فى مرحلتى قبل الجامعية وكان مثالا فى الإخلاص والتجرد محبا لدينه ووطنه, وما زاد فاجعتي علمي بأنهم لم يعثروا على جثمانه بعد، وقبل أن أحضر إلى المسجد رجوت الله أن أجد جثمانه هناك لأودعه الوداع الأخير، وكان ربي عند حسن ظنى به، فبينما أتنقل بين مئات الجثث وجدت جثمانه الطاهر وإلى جانبه أحد أصدقائه والذي كان للتو قد عثر عليه، فجلست إلى رحابه عدة دقائق تمنيت أن تطول، وليس بعيدا عنه وجدت جثمان الشاب الجميل إسلام صقر الذى لم ألتقه من قبل وهو على قيد الحياة فقابلته وهو ملفوف في رداء الموت.

أصوات النحيب والاحتساب لم تنقطع داخل المسجد، فهناك من يجلسون إلى  جوار جثث أبنائهم أو إخوانهم أو أزواجهم أو أصدقائهم، وينتظرون  إنهاء الإجراءات لاستلامها، وهناك من جاء ليبحث عنها فلم يجدها، ويتفحص الجثث المتفحمة عله يجد أثرا يمكنه من الوصول إلى هدفه، ومنهم هذا الشاب الذي كان قد فقد الأمل تقريبا في الوصول إلى جثمان أخيه، فإذا به يلمح  طرف حذاء ليـتأكد من خلاله أنه أخوه بعد أن كان جثمانه قد تشوه تماما.

خارج المسجد كان المئات من ذوى الضحايا ينتظرون دورهم في الدخول إليه، وكان مكتظا عن آخره بمن يبحثون عن  جثث أقاربهم أو حضروا لاستلامها، بينما كان عدد من الطائرات الهليكوبتر يحلق فوق المكان والذي لا يبتعد سوى مئات الأمتار عن مسجد “رابعة ” كما أن قوات الأمن أحكمت  سيطرتها عليه من مختلف جوانبه، و مع اقتراب ساعة فرض حظر التجوال، وصلت نحو 10 سيارات إسعاف لاستلام الجثث بالقوة وتم الاعتداء على الأهالي وإخلاء المكان.

العام الماضى توافقت ذكرى المجزرة مع الحرب الإسرائيلية على غزة، وبينما كان يجلس صغيري الذي لم يكن قد بلغ الأربعة أعوام أمام شاشة الجزيرة، وهي تعرض صورا أرشيفية من داخل مسجد الإيمان، فاجأني متسائلا: هي الناس اللي ميتة دي في غزة؟ فأسقط في يدي ولم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة.

عامان مرا على “رابعة ” وهناك حتى اليوم من يشكك أو يبرر أو يشمت في الدماء، وعلى هذا النحو مازال بعضهم يدعى أن عروس السماء الشهيدة أسماء البلتاجي – التي حضرت جنازتها بمسجد السلام بمدينة نصر – مازالت حية ولكنها مختفية للمتاجرة بدمها، ما يجعلنا ندرك  إلى أي مدى كشفت لنا “رابعة ” عن هذا  الكم  من البشر الذين يعيشون بيننا وهم فاقدون لأدنى مشاعر الإنسانية، وبلغوا  منتهى  درجات القبح  والتدني، هؤلاء ليسوا  ” كالأنعام ” بل هم أضل.

سالم المحروقي
صحفي وإعلامي مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان