عمر فياض يكتب: الفجر التالي للمذبحة

الفجر الذي تلا فض الميدانين كنت جاهزا في انتظار رفع حظر التجوال القاسي لأذهب لمشرحة زينهم مع أحد أصدقائي ونرافق جثة الصحفي الشهيد أحمد عبد الجواد.. يتبع.

الصحفي أحمد عبد الجواد قتل في فض اعتصام رابعة العدوية

مازالت تلك الرائحة الدافئة المنبعثة من دماء المغدورين في ميداني رابعة والنهضة تخالج أنفاسي من وقت إلى آخر. الفجر الذي تلا فض الميدانين كنت جاهزا مرتديا ملابسي في انتظار رفع حظر التجوال القاسي حتى أتمكن من الذهاب لمشرحة زينهم مع أحد أصدقائي من الإعلاميين لنرافق جثة الصحفي الشهيد أحمد عبد الجواد الذي قضى في عملية الفض لأنه ببساطة صحفي.

انتهت ساعات الحظر والتقيت بزميلي وانطلقنا سريعا إلى المشرحة، بعد أن تواترت أخبار من هناك بتزوير أوراق المغدورين خوفا من التلاعب بأوراق أحمد، وما إن وصلنا إلى هناك حتى وقفت في ذهول مصدوم من حالة القهر التي تنتاب أهالي الشهداء، حالة أصابتني بضيق حاولت تلافيه بالالتفات هنا وهناك لعل عيني لا ترى ما شاهدت، ولكن لا مفر، فأينما نظرت لا ترى على امتداد  بصرك سوى جثث فوق بعضها وأمهات ثكالى وآباء من قلة حيلتهم وقهرهم يغمى عليهم، ورائحة الدماء التي ملأت الأرض أصبحت من صميم أنفاسك، فتحاول تحسس الأرض من تحت قدميك محاولا أن لا يطأ حذاؤك ذلك الدم المغدور احتراما لأصحابه.

تلك الأرض التي تحولت إلى طين من كثرة ذوبان ألواح الثلج التي تغطي جثامين الضحايا, أما أحد ألواح الثلج هذه فكان نقطة مؤلمة في قلبي, ذلك اللوح الذي دأبت إحدى الأمهات على تكسيره قطعا لتوزعه على جنبات جثة ابنها، وهي تدأب في الوقت نفسه لتزيح من حوله الأتربة إذ تتحول سريعا لطين بسبب الحرارة التي تذيب الثلج.

تلك الأم كانت تتمتم ببعض الدعوات لابنها المغدور الباسم في كفنه, ما حفز نفسي على السؤال حينها مستغربا, هل انتزع الله الرحمة من هذه البقعة من الأرض أم أن هذا خيال أصابني أم أنني لست في أم الدنيا؟

تلتفت هنا وهناك لتتوارد الأسئلة: بأةي نفسية شحن الضباط و الجنود كي يفعلوا ما فعلوه بهذه الوحشية؟ فما الضحايا إلا أناس  آمنوا بفكرة وكلمة فقوبلوا بالرصاص، رصاص من ؟! إنه  لإخوة لهم في الوطن يعملون في الجيش و الشرطة، ولكنهم لا يعلمون أن شيوخا في ليلتهم الأخيرة أباحوا دماءهم وشرعنوا سلبهم حياتهم من الأرض.

تنقلت بين الجثث بحذر أنا و صديقي حتى وصلنا إلى جثة الشهيد أحمد، وإذا بالأهالي المتكدسين أمام باب المشرحة والمتصببين عرقا من طول الانتظار يتناوشون مع بعضهم متزاحمين حتى يدخل كل مجموعة فقيدهم ليحصلوا على تصريح طبي بحالة القتل ليدفنوه ويجنبوه إلقاءه جثة في ذلك اليوم الحار الصعب, وإذا بذلك الرجل الصعيدي ذي الجلد والقوة يدخل المنطقة برفقة أعمام ابنه الشهيد، ذلك الصعيدي البسيط الذي لا يعرف القراءة و الكتابة استطاع الدخول إلى قلب المشرحة بجثة ابنه ليقابله أحدهم في الداخل بجملة (ابصم يا حج عشان تلحق تدفن عشان إكرام الميت دفنه) وإذا به يبصم على شهادة بحالة مبهمة عبارة عن (شخبطة) فسرت لاحقا بأنها في بعض الأوراق انتحار وفي البعض الآخر وفاة طبيعية, وإذا بذلك الرجل الصلب ينهار أرضاً باكيا قهرا حين فهم الأمر بعد خروجه متوعدا بالقصاص, آه يا وجع قلب ذلك الرجل الذي سارع أحد الشباب بمحاولة التخفيف عنه ببعض الماء  ليغسل وجهه, وإذا بأحد الأباء يسحبني من يدي ليخبرني بالجثث المجهولة والتي لا يعرف أهلها عنها شيئا بعد انتباهه لنا أننا ننشر بعض ما نرصده هناك.

بدأت أنا ومن معي من الشباب الذين التحقوا بنا بتصوير تلك  الوجوه المجهولة ونشرها على صفحاتنا الشخصية على مواقع التواصل لعلها تجد سبيلها إلى صفحة ذويهم، وهو ما حدث بالفعل مع أكثر من حالة, إلا أن الأمن لم يرحم أيضا محاولا تكميم كل تلك المأساة بأية طريقة؛ فإذا بذات الرجل يسحبني مرة آخرى بعد أن خطوت بعيدا عن باب المشرحة قائلا لي (ابق هنا بيننا لأن هؤلاء التقطوا لك صورا وأنت تنشر صور المجهولين) قالها وهو يشير للأعلى؛ وحين نظرت، وجدت هؤلاء البلطجية يقفون فوق سطح أحد المباني من طابقين يرصدون كل تحرك مشابه لتحركي.

خرجت يومها مساء بعد أكثر من 12 ساعة متواصلة أقف على قدمي أنا و صديقي، وقد كانت جثة أحمد لم تصل بعد إلى مرحلة كتابة التقرير الطبي، وبدأت أصاب بحالة من ضيق التنفس من شدة ما رأيت، وتحديدا تلك الجثث التي طمست هويتها بعد أن حرقت وباتت رمادا وقطعا مجمعة، فسارع صديقي بالقول: اذهب إلى بيتك فيبدو عليك أنك لم تعد قادرا على المواصلة, وقد كان. وحينها اختتمت يومي غير المنسي من تاريخي وتاريخ أمهات وآباء وأبناء وزوجات, فالضحايا كثر, والكذب عليهم والافتراء في الإعلام أكثر وأكثر. وتكون هذه الكلمات التي دونتها جزءا لا يذكر من يوم رأت عيني فيه ما لا أتمنى أن أراه، ولم تكن لتراه سابقا ولو حتى في أسوأ الكوابيس.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان