فاطمة المهدي تكتب: فليقل خيرا أو ليصمت

فتحت ذاكرة الفيس بوك خاصتي لأسترجع بقايانا بالأمس القريب.. أحيتني الصور بقدر ما أماتتني.. كلماتنا.. ضحكاتنا.. همساتنا وبكاؤنا.. أنت وحبيبك الشهيد لم تغادروني. يتبع

فاطمة المهدي- مستشارة أسرية

 

فتحت ذاكرة الفيس بوك خاصتي لأسترجع بقايانا بالأمس القريب..

أحيتني الصور بقدر ما أماتتني..

كلماتنا.. ضحكاتنا.. همساتنا وبكاؤنا..

فكرت لوهلة أن أعيد النشر مرارا حتى أواسى من هم في قلبي.. لكنني مع أول محاولة تراجعت..

أنت وحبيبك الشهيد لم تغادروني..

لا أبالغ إن قلت أنكم معي باستمرار في بعض يومي..

في وضوئي.. في صلاتي.. فى حديثي بيني وبين نفسي.. في مواساتي لطفلي.. في ضحكي.. أتضحكين حقا من قلبك.. أم أنها فقط محاولة للعيش.. فقط تمثلين على نفسك -كما أقوم بها أحيانا- تضحكين كي يضحك أطفالك.. ثم تقومين بإتقان الدور عليهم بأغنية أو مزحة أو قصة.. يتمرغون معك فى تراب لعبك لهم حتى يغلبهم النعاس متشبثين برقبتك.. ترتخى اصابعهم بعد أن يغطوا فى نوم عميق لكنك تأبين أن تتركيهم.. تتمسكين بهم أكثر فأكثر.. تضمينهم الى صدرك ضما وكأنما انت التي تستمدين منهم الأمان وليس هم.. تتحرر دمعة ساخنة من مقلتيك تحاولين ان تخفيها حتى لا تراك ابنتك.. لكن الوقت يخونك فى إخفائها فتسألك:

أمي.. لماذا تبكين.. أو ليس أبي فى الجنة؟!

فترد دموعك الغزيرة ونهنهات صدرك.. ترتمي فى أحضانك  لكنها تجهش فى البكاء بدلا من التخفيف عنك.

هذا هو حالي اليوم.. في الذكرى الثانية لمجزرة رابعة..

أكتب ثم أمحو.. ثم أعود للكتابة فأمحو ما كتبت..

أكتب ?خفف عنهم لكن حروفي تخونني.. فالحدث أكبر وأعظم من أي كلمات..

أكتب لأسري عنهم اعتقادا منى أني من سيخفف الألم، لكن أجدني أرتمى فى أحضان كلماتهم فلا أجد للصمت بديلا..

ألوم مجتمعي أنه لم يعلمني كيف أحترم الألم والحزن.. كيف أتعامل معهما.. كيف أتحدث.. كيف أواسى.. كيف أحتضن.. ثم ألملم شتاتي عائدة إلى القليل الذى تعلمته وأهم ما تعلمته فى ذلك هو احترام الحزن.. واحترام التعبير عنه.. فلكل منا طريقته ولكل منا ما يريحه.. لكن ردود الفعل من المحيطين تختلف..

فها هي تضع صورتها مع زوجها.. تعلق عليها بكلمات حب وعشق فأجد من يوبخها قائلا: اتق الله ليس أمام الناس هكذا.

تضع صورته تنعيه باكية.. فأجد من يردد: لا تبك فلقد ارتاح من دنيانا.

تتذكره بموقف ساخر حدث له معها فأجد من يلمح بكلام ولسان حاله يقول كيف تضحك وزوجها شهيد؟

تكتب كلمات عابرة أو ذكريات لها مع صديقاتها، فيستنكرها البعض كأنما يقول ألا تستحين!

تكتب أبياتا شعرية تتغزل فى أوقاتهما سويا، يهاجمها البعض بأن ذلك عورة وأنها يجب أن تخط سطورها فى قلبها، وكأنما  كتب عليها الموت مرتين.. مرة عندما غادرها ومرة عندما ظلمها من هم أقرب الناس إليها.

تقبل بزوج جديد وأب لأبنائها آملة أن تجد الأمان لأبنائها والدفء لقلبها.. يستنكرون مجرد تفكيرها، وتسمع مصمصة للشفاه ونظرات عين مستنكره متعجبة.. زوجة الشهيد تريد الزواج!

بالله من أنتم!

من أنتم حتى تطلقوا أحكامكم جزافا..

من أنتم حتى تنصبوا أنفسكم قضاة على مشاعر البشر..

يؤسفني أننا لم نتعلم احترام مشاعر الألم والحزن ..

لا نعرف ماذا نقول.. كيف نتصرف.. كيف نتعاطى مع شخص مكلوم..

كل منا يقذف بكلماته فى وجه الآخر ثم يخلد إلى نومه بين أحضان أهله ولا يعلم إلى أي مدى قد تألم الآخر من بضع كلمات قد لا يلقى لها بالا..

عزائي أن نتعلم كيف نحترم مشاعر الحزن وا?لم.. وإن لم يكن فليس أمامك سوى:

“فليقل خيرا أو ليصمت”.

فاطمة المهدي

مستشارة أسرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان