سماح إبراهيم تكتب: دجال السلطة والمنطق الذي انتحر شنقاً

لم أكن أعلم أن هناك حزمة من الاستفزازات البشرية تنتظرني خارج أسوار المعتقل، حصار نفسي من نوع جديد، أوجه تقبح من نفسها وتتشوه بمواقفها، فتن المصائب الكاشفة. يتبع

سماح إبراهيم- صحفية مصرية

 

لم أكن أعلم أن هناك حزمة من الاستفزازات البشرية تنتظرني خارج أسوار المعتقل، حصار نفسي من نوع جديد، أوجه تقبح من نفسها وتتشوه بمواقفها، فتن المصائب الكاشفة لحقيقة معادن الأشخاص من حولنا.

كانت أولى المفاجآت المخزية معرفتي أن أقارب لي من الدرجة الأولي سارعوا بالارتماء في أحضان مفرمة النظام خوفاً من أن يلحق بهم أذى، وقرروا الذهاب والتصويت لصالح عبد الفتاح السيسي بانتخابات الرئاسة.

 وإذا بقارعة الفزع العائلي تلاحقني مجدداً، بعبارات من نوعية “لو مش خايفه على نفسك خافي علينا”، فرمانات وإملاءات “لا للخروج بدون إذن، لا للظهور الإعلامي”، إن أردت الاستمرار بمهنة “الموتى” فلا تضعي اسمك بأخبار تهاجم النظام أو تتحدث بالسياسة.

قناعتي بأن الجبن يجب أن تقابله قوة تدافع وتبذل، تتبع عورات النظام الإجرامي، تصارعه بحلبة الحق حتي تدحض باطله أو تموت أمامه بشرف، مخالفة لقناعتهم التي ترى بأنه ليس من الفطنة أن تتحدث عن العدل أمام قاتل ممسوخ العقل والقلب.

دجال السلطة لم يكتف بأشلاء قتلى معتصمي ميداني “رابعة والنهضة”، بل سعى لهدم ومعاقبة كل منبر يدعو إلى تحكيم العقل والنقاش ومنع أي أحاديث تتعلق بأمر الدولة، ليعلن احتكاراً  للعقول بالمساجد والمؤسسات التعليمية والنقابات والشوارع.

النظام أوجد مبررات القتل وسعى لتعبئة الجيش باستخدام أذرعه الإعلامية القبيحة، والترويج بأن الإخوان  يكرسون اهتمامهم لأبناء عشيرتهم واستغلال الديمقراطية كسلم للسلطة، ثم إدانتهم بالتخابر مع حماس، فالفكر المخابراتي صنع من حماة بيت المقدس أعداء للوطن، بل وأعطى لنفسه أحقية محاكمة قادة تحرير المسجد الأقصى.

خرجت لأجد إنجازات السيسي زادت بزيادة مساحات التضييق الفكري بإنشاء 7 سجون جديدة في زمن قياسي لإيواء الشباب، أغلق حوالي 900 مصنع ، بلغ عجز الموازنة المصرية في أول عام من انقلابه 230 مليار جنيه، تنازلت مصر عن حقول الغاز المصرية في البحر المتوسط “تمار” لإسرائيل، علماً بأن النقطة الاقتصادية رقم 18 الواقعة فى آخر حدود مصر فى المياه الإقليمية، بها مخزون من الغاز الطبيعي من شأنه سد احتياجات مصر لسنوات طويلة ويصل مخزونه إلى 200 تريليون متر مكعب. لتطبق إسرائيل سيطرتها علي مصادر النقط بالمنطقة بانتزاع شرعية اقتصادية جديدة، وتحقيق منجز هام بخارطة “دولتهم المزعومة”،  ولعل الطامة الكبرى جاءت بتعزيز مصر للتواجد والتوسع الصهيوني بإخلاء مدينة رفح بدعوى الحيلولة بين المصريين ورجال المقاومة الإسلامية، بل وتعيين سفير مصري لدى الكيان المحتل في تل أبيب.

صدقت تصريحات  بني صهيون “فالسيسي حقاً معجزة إسرائيل”، كما قال وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي، موشيه يعالون بمؤتمره الأخير حول تحديات إسرائيل، في التاسع من يونيو 2015، مشيراً إلى أن مصالح “عبد الفتاح السيسي” تتقارب مع مصالح الكيان وسياساته بالمرحلة الراهنة، مشدداً على ضرورة استغلال ذلك وتوظيفه جيداً.

فالتحدي العربي لإسرائيل على لسان وزير الأمن الصهيوني  يتمثل في هيمنة إيران على منطقة الشرق الأوسط، بالسعي للوصول إلى مكانة دولة “حافة نووية”، أما عن دول السنة “المعتدلة”  كمصر والأردن فلا تمثل خطراً علي نفوذها، بل إن ظهور حركات كتنظيم الدولة وجبهة النصرة وغيرها تصب في صالحهم، تتصارع وتقتل وتقاتل معهم أحيانا بإبادة رجال المقاومة وتشتيت المسلمين عن قضيتهم الأولى بتحرير أركان المسجد الأقصى، الغافلون عنها بإرادتهم.

ففي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل  – بعدم التدخل فيما يحدث حولها – للتجهيز للردع الإسرائيلي، يشن السيسي هجمته على كل من يناصر رجال المقاومة الفلسطينية بمصر، بل وتتسع مساحة التضييق بإصدار قرارات يعجز العقل عن استيعابها، أو كما يصفها البعض بأن “المنطق انتحر” أمام حماقتها، مثل تعيين مراقب لمتابعة المعتكفين بالمساجد، وإيقاف الأئمة ممن يدعون على النظام أو يذكرونه بسوء. 

بمقارنة قد يستنكرها التاريخ بين رجل يدعي التدين  كالسيسي، وبين رجل بذل رقبته من أجل إعلاء كلمة التوحيد  كـ”عدنان مندريس” رئيس وزراء تركيا عام 1950، والذي تسببت سياسته ذات الوازع الديني وتقربه مع العالم الإسلامي معلناً بقوة رفضه للتطبيع مع إسرائيل وطرد سفيرهم  سنة (1956م) أودت بحياته شنقا بانقلاب عسكري، يمكننا تفسير إعادة مشهد الإعدام للمرة الثانية بظهور أول رئيس مصري إسلامي منتخب بعد مرور 65 سنة “بالبدلة الحمراء”.

أراها بيئة صالحة لخروج المسيخ الدجال، والذي سيجد أعوانه من البشر قد قاموا بدورهم في التضليل الديني  والشذوذ الفكري.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان