محمد عبد الفتاح يكتب: شكرًا.. التي لا تكفيهم

هل يكفي هؤلاء كلمة “شكرًا” أو “شكرًا جدًّا” أو حتى لو قلت لهم بعد “شكرًا” ألف “جدًّا”؟ أو يوفي حقهم هدية أو مجاملة اجتماعية؟ كل محاولات الوفاء تبوء بالفشل. يتبع

لا أدرى لماذا تفتقد اللغة أحيانًا رغم مفرادتها الغنية القدرة على التعبيرعن ما يفيض من مشاعرنا؟

لحظات “الاشتياق” أحيانًا لا تكفي لوصفها بكلمة “اشتياق” حتى وإن أضفنا بعدها أوصافًا ونعوتًا لكي نعبر عن المبالغة..

لا تكفي كلمة “حب”.. أو “فراق”.. أو ” لوعة”
حتى وإن قلنا: حبٌا كبيرا، فراقا مؤلما، لوعة شديدة

لا أصدق أن لغتنا العربية الرائعة لا تمتلك كل التعبيرات اللازمة لوصف مشاعرنا الجارفة أو أحاسيسنا العميقة!

عندما أغمض عيني وأعيش داخلي ومع ذكرياتي وأتذكر:
 وهي تمسك بيدي تحاول أن تسّرع خطواتي البطيئة وتناديني بين الحين والآخر لتلفت انتباه عيني الحائرة التي تجول في صفحة العالم الصاخب حتى تصل بي إلى مدرستي لأتعلم وأحقق حلمها.. فأنا حلم أمي.

كل يوم  ترعاني.. تلهو معي.. تعلمني.

تكويني.. أفكاري.. عقلي.. ذوقي.. طباعي.. لكنتي.. ما أحبه وما أكرهه.. وما أخافه.. كل شيء فيّ.. إنها أمي.. هكذا جعلتني أنا.

عندما أتذكره وهو يحملني فوق كتفيه لأحلق بذراعي في فضائي وأراني فوق البشر.. كلما لقيته ابتسم في وجهي مهما كانت أحماله، يملأ روحي بهجة.. حتى استقر في نفسي أن معنى الفرح أبي.

أذكره جيدًا وهو يعلمني كيف أسجد.. ويصبر على تعتعتي وأنا أردد خلفه: “سبحان ربي الأعلى”..

لاعبني.. أضحكني.. عاقبني.. دعمني.. أفنى من عمره لكي يراني أنشئ بيتي وأكوّن أسرتي.

منحتني قلبها وحبها قوتها وضعفها.. حنانها وغضبها.. غيرتها واشتياقها..

زوجتي التي تدبر شئوني وتهتم بأمري.. تعدني كل يوم لمواجهة الحياة.. تودعني برقة وأنا ذاهب.. وتنتظرني بلهفة وأنا عائد..

في لحظات الشدة كانت بجواري.. كلما أخطئ  في حقها تغفر لي.. عندما تلقاني تحول قسمات وجهها المشغولة المرهقة إلى بسمة ساحرة.

طفلتي وهي تنظر إليَّ بعينها البريئة الحانية.. تضحك فتدغدغ مشاعري.. تعانقني وتلف ذراعيها الصغيرتين حول رقبتي وتداعب وجهي بأناملها الرقيقة.. فأنسى مع لحظات العناق عالمي وأعيش في عالمها الصغير الحالم.

صديق طفولتي المقرَّب رغم بُعد المسافات، وفراقه الأهل والوطن،  يتشبث بذكرياتنا معًا، يتابع أخباري، يشاطرني حكاياتي واهتماماتي، يقابلني كل عام بنفس الحضن الصادق ونفس الدفء الطفولي.. لم يغلب الزمن حبه لي.. ولم يمل من قلة اهتمامي أو كثرة اعتذاري.. وتكرار تبريري بأني سأبادر بالتواصل في مرة قادمة ولن أتجاهل ثانية الرد على رسائله.

معلمتي التي أمسكت بيدي لأكتب أول مرة في حياتي، حرف البداية (ألف)، كانت أصابع يدي لا تقوى على التحكم بالقلم، حاولت معي مرارًا حتى استطعت أن أرسم حرف ألف أقل اعوجاجًا من مرتي الأولى.

علمتني أقرأ أول حرف ثم ثاني حرف ثم أول كلمة.. علمتني فأدخلت النور إلى عقلي، ولم أقرأ أو أكتب حرفًا من لحظتها إلا ولها في ذلك فضل.

هل يكفي هؤلاء كلمة “شكرًا” أو “شكرًا جدًّا” أو حتى لو قلت لهم بعد “شكرًا” ألف “جدًّا”؟  أو يوفي حقهم هدية أو مجاملة اجتماعية؟ كل محاولات الوفاء تبوء بالفشل..  وكل محاولات التعبير عن الامتنان تظل عاجزة، في كل مرة أفكر فيها فيهم.. وأتأمل دورهم في حياتي.. واسترجع مشاهد كانوا أبطالها في ذكرياتي.

 أدركت في النهاية أنني سأعيش مدينًا لهم ولو ظللت أردد بقية عمري “شكرًا”.

 

محمد عبد الفتاح
مدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان