ممدوح المنير يكتب : كرسي الموت “4 “

فرأيت كرسي خشب وحيد في وسط الميدان فجلست أستريح عليه،و القوّات من حولي و المنصة أمامي و قد بدأت في الاحتراق ، و بينماأتلفت يمينا و يسارا دون تركيز من شدة الإجهاد

 
 

بدأت القوات فى التقدم من كل جوانب الميدان ، و بدأ المعتصمون يتمركزون فى قلب الميدان ، و كنت وقتها قد أنهكت تماما كنت لازلت صائما – حتى العصر – و كنت مريض بنزلة برد شديدة  فرأيت كرسي خشب وحيد  في وسط الميدان فجلست أستريح عليه ، و القوّات من حولي و المنصة أمامي و قد بدأت في الاحتراق .

و بينما أتلفت يمينا و يسارا دون تركيز من شدة الإجهاد و جدت فتاتين عن يساري ينظرون إلىّ بدهشة واستغراب ، فلم أفهم سرّ نظارتهم إلا عندما وجدت  البعض يسقط من حولي ، فأدركت حينها أنني أجلس على كرسي الموت !!! .

و أدركت حينها أنى أصبحت هدف سهل  للقناصة فقمت و تركت الكرسي و تحركت إلى أحد جوانب الميدان أول شارع المنصة و كان تكتل كبير من المعتصمين لا يزال موجود نحو ألفين ( رقم تقديري ) من المعتصمين .

و كانت قنابل الغاز لا تزال تطلق بغزارة و كدت أهلك و سقطت على الأرض غير قادر على التنفس لفترة طويلة و الشباب من حولي يستخدم كل ما في يديه من خل و بصل و مياه غازية حتى اضطررت للإفطار و شرب المياه الغازية ، و الصراحة من كثرة الشهداء ، قلت لعلى ألقى الله صائما ، لكن لم تكتب لي الشهادة ، فلم أكن استحقها ، و أسأل الله أن يرزقني إيّاها و أن أموت في سبيله .

تعليمات المنصة

كانت مياه المجاري تملئ الميدان بعد كسر قوات الانقلاب للمواسير لإغراق الميدان ، أخذت أبحث عن مكان اجلس فيها حتى اقتربت الساعة من الخامسة عصرا ، و رأيت أحد قيادات الميدانية في رابعة و هو جالس فتوجهت إليه قائلا ، ما العمل ؟ ، لقد وصولوا إلى المسجد و المستشفى و المنصة خاوية على عروشها و بدأت النيران تقترب منها .

فقال لي لا أعلم ، إننا نأخذ التعليمات من المنصة ، وابتسمت ابتسامة مريرة و قلت له ، توجيهات المنصة ؟!!! ، المنصة لا أحد عليها و كل وصلات الكهرباء مقطوعة و كل من يصعد عليها يقتل، فأي توجيهات تنتظر، فسكت.

أذكر أنه كانت زوجتي لا تكف على الاتصال بي للاطمئنان علىّ و خاصة بعد انقطاع البث الفضائي ، و عندما كان يراني بعض المعتصمين أتحدث في الهاتف ، يأتي البعض و يستأذنني في إجراء مكاملة ليطمئن اسرته أنه لا يزال حي ،  لأن هواتفهم إما سقطت في الكرّ و الفرّ ، او  فرغت شحنتها الكهربائية .

و رغم أن الموضوع قد يراه البعض ثانوي إلا انه احيانا  كان المتصل لا يرد احد عليه مرة تلو الأخرى ، فيذهب و يتركني ثم اجد هاتفي يرن ليسألني اهل المتصل من انا ؟! ، و لماذا اتصلت بهم ؟!  ، فأقول لهم  أن ابنكم اتصل بكم من هاتفي ليطمئنكم عليه ، و كنت أفاجئ أن بعض الأسر لم تكن تعلم اصلا أن ابنها معتصم في الميدان !! ،  و هنا تبدا المأساة الإنسانية ، اين أبنى ، هل هو بجوارك ؟ اريد ان اسمع صوته ؟ ، و هكذا حتى اضطررت لإغلاق الهاتف لاحتفظ بطاقة البطارية لوقت اطول .

في هذه الأجواء كان هناك اتجاهين بين القلة المتبقية من المعتصمين مع غياب التوجيه من المنصة ، البعض يرى أن نبقى في الميدان حتى لو فنينا جميعا واعتبروا ان انصرافنا تخلي عن الشهداء و كان يستندون ايضا الى انه لا يوجد طريق آمن للخروج .

فالمخرج  الذي ادعت الداخلية كذبا و زورا أنه آمن كانت تأتي منه جثث الشهداء  تباعا !!

الفريق الآخر يرى أن المعركة انتهت و لم يعد هناك ما يستحق الدفاع عنه فالمسجد و المستشفى و المنصة كل هذا احرق، و كان رأيهم أن نخرج من الميدان حفاظا على البقية على عهد بالعودة مرة أخرى أو الاعتصام في ميدان آخر.

و دخلت في الحوار و طلبت من الجميع الوحدة و ارتفع صوتي ليسمعن اكبر عدد ممكن  و طلبت منهم ان نخرج كتلة واحدة و بحركة سريعة حتى  نقلل حجم الاصابات او الاعتقالات و بدأ البعض يتجاوب معي .

 

الرصاصة لا تزال في ظهري

و بينما أنا على هذه الحالة و كان وقتها قد جاءني خاطر- بلا مقدمات أو اسباب –  أنّني سأصاب الآن و أخذ هذا الخاطر يلّح عليّ كثيرا ، فلم اعرف ماذا افعل ؟.

فبدأت اتحرك بشكل غير منتظم حتى لا اكون هدف ثابت للقناص يسهل اصطياده ثم بدأت ادخل وسط المتظاهرين اتقاءا للرصاصة المنتظرة !!! ، ثم شعرت بالذنب و تأنيب الضمير أن باختفائي وسطهم قد يجعل الرصاصة تخطئني و تصيب أحدهم ، فجددت نيتي و تلوت الشهادة و عدت لأحد الأطراف مرة أخرى أنتظر ما قدره الله لي .

حتى جاءتني الرصاصة التي انتظرها !!! ، و أصابتني في ظهري بجوار العمود الفقري مباشرة واخترقت جسدي بالعرض و خرجت من كتفي الأيمن ،، و طرت من مكاني رغم ثقل وزني وارتميت على وجهي و الدم يتدفق بغزارة من ظهري و صدري و شبه غائب عن الوعي .

و كانت هذه الرصاصة حاسمة للجدل بين المتظاهرين الباقين في الميدان فعلى أثرها حسموا أمرهم للخروج فالموت يأتيهم من كل مكان حفاظا على البقية المتبقية منهم .

التف حولي بعد المعتصمين ليطمئنوا على حياتي و لما لم يكن هناك أي مجال لإسعافي قاموا بحملي و سندي و أنا شبه فاقد للوعي و الدم ينزف بغزارة و حركتي اقرب للزحف و حاول  بعض المعتصمين البحث عن دراجة نارية ليتم نقلي عليها الى خارج الميدان لأن قدرتي على البقاء حيا لن تطول مع غزارة النزف .

حتى  هذا التوقيت من عامين في اعتصام رابعة اصبت برصاصة في ميدان رابعة العدوية من قبل قناص من الجيش بالميدان و جاءتني الرصاصة من العمارات التي كانت في مواجهة المنصة اخترقت ظهري قرب العمود الفقري و خرجت من كتفي الأيمن و سقطت ارضا في الحال و لما كان الاسعاف مستحيلا في هذا الوقت فقد حملني بعض المعتصمين و انا شبه مغمى علي و للحديث بقية .

د. ممدوح المنير
كاتب ومحلل سياسي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان