سماح إبراهيم تكتب: عن شهوة الموت …وأجمل أيام الانتحار

يتحدثون عن الموت ويكأنه “مغامرتهم الأخيرة في الحياة ” ويرون أن النجاح قد يكون هناك, بمدافن أكثر احتواء لهم, ولأنهم يعتقدون بأنهم والعدم سواء ففضلوا أن يتشبهوا به. يتبع

أجمل أيام الانتحار … يومي الثلاثاء  والخميس “دعوات موت  تنتشر كدوي النحل بمواقع التواصل الاجتماعي لشباب مصري  يتبادل عبارات تحريضية لقتل أنفسهم .. بل والبحث عن أكثر الطرق إبداعاً للتخلص من حياتهم البائسة معلنين بذلك فشلهم  في تحقيق أي منجز لهم.

يتحدثون عن الموت ويكأنه “مغامرتهم الأخيرة في الحياة ” يرون أن النجاح قد يكون هناك, بمدافن أكثر احتواء لهم, ولأنهم يعتقدون بأنهم  والعدم سواء ففضلوا أن يتشبهوا به.

  “زينب ” إحدى ضحايا الفكر الشيطاني, اسمها كان  يتصدر قائمة نشطاء مصر السياسيين, أول ما تعرفت بها كان منتصف 2012  بورشة فنية لتعليم أصول “كتابة السيناريو”, جذبت الفتاة انتباه الجميع بثقافتها الواسعة, وتحليلها لمشاهد من أعمال نجيب محفوظ, وكبار الكتاب. “

لم تجمعني الصدفة بها من بعد ذلك سوي مرة أو اثنين علي الأكثر, تحدثنا بكلام سطحي عابر, انشقاقها عن الإخوان جاء بعد الثورة, انضمت لصفوف “عبد المنعم ابو الفتوح”, لتكوين جبهة ثورية موازية تحمل أفكار الجماعة, بأبعاد أكثر “انفتاحاً”, كانت من داعمي الهجرة الفكرية  بالابتعاد عن ” جناح المحافظين ومركزية الفكر التقليدي لتنظيم الجماعة.

 بالصعود فوق ” كرسي” وحبل لا قيمه له, اسدلت  زينب  الستار علي حياتها بطريقة يائسة  لتعلن انتحارها بنهاية غير متوقعة.

كانت ممن قادوا دعوات النزول والحشد ضد الرئيس السابق محمد مرسي ليس حباً في العسكر أو تشكيكاً بذمة الإخوان,  بل لتصور شبابنا الحالم بأن رجال الميدان سيعطون لهم أوراقاً وقلاماً لرسم ” فتي أحلام ثورتهم”, فكانت الصورة لرجل بكاريزما ” أبو الفتوح” , بدلة الرئاسة تليق برجل ممشوق القامه مثله, ذي وجه سينمائي مشع, ولكنها الصدمة المضحكة المبكية أن العسكر جعل الشباب يتوافد لرسم الصورة التي بمخيلتهم ثم رفع هو صورة ” السيسي ” , ليشهق الميدان شهقة لم يسمعها سوي القابعين منهم بالسجون والقبور.  

حفلات ساخرة لشخص مرسي دشنها كثيرون, انتقادات صائبة وأخرى  لاذعة خالية من الموضوعية في كثير من الأحيان, مثلما الحال الآن مع قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي, مع فارق أن الأخير, مجرم يدعي الملائكية, أما الأول فمشاريعه قوبلت تارة بالتهكم وأخرى بالتشكيك, والترويج بأنهم يبيعون مصر ” قناه السويس والأهرامات” جملة وقطاعي -بلغة التجار-, والأكثر غرابة  سرقة حكومة الانقلاب المشاريع التنموية لمن سبقهم كما هي, بعد أن اطلقت عليها مسمى مشاريع استثمارية مربحه!

أن تكتشف أنك  “مغفل” واقع مؤلم لأي عقل بشري يمتلك استراتيجيات الفهم السياسي, خاصة وأن مراكب الحركات السياسية كلها توقفت أمام أمواج الغباء النظامي العنيف في مواجهة كل من يعارضه بالسلاح والترهيب, بل وابتلعت بعضهم  في بطونها .

تعبت .. استهلكت .. ومفيش فايدة , مفيش قانون هيجيب حق حد, مفيش عدل وأنا مدركه ده ” كانت تلك اخر تدوينه لـ” ز ” قبل أن تعلن ضعف جهازها العصبي عن تحمل واقع الفشل خلال مشاركتها بالملف الحقوقي للدفاع عن المعتقلين.

بداية ونهاية بها من العبر ما يجعلنا أكثر فزعاً من مكر الأيام, بدايتها كانت بحلقات ودروس بجماعة الإخوان المسلمين، رأت من المبادئ معهم ما ارتضت به، بيد أن الفكرة الإخوانية بتلك المرحلة, وأعني بها ما قبل 2009 م “, كانت  أكثر تألقاً, التجرد صفتها, لها طابعها الإيماني المتفرد، إذ إن أولويات الجماعة كانت لتهذيب القلوب وتقربيها لله ، بتنظيم ندوات تثقيف ديني وسياسي وتدشين قوافل دعوية بالشوارع والجامعات ومحورها التعريف بالقضية الفلسطينية  وانتهاكات مسلمي بلدان العالم, مما سهل فتح القلوب قبل العقول لهم.

القيادة كانت أكثراً تحفظا في التعامل بين الرجل والمرأة, فالتعامل لا يكون إلا بضرورة وبحدود، فلا داعي للاحتكاك المباشر إلا إذا لزم الأمر، حفاظا علي قلوب شبابها.

كانت قيادات بالجماعة ترى أن المرحلة تستدعي مزيدا من الانفتاح المجتمعي، بهدم الكهوف بين رجال ونساء الجماعة أولا، تمثلت في تنظيم كيانات طلابية تجمع بين شباب وفتيات الجماعة, ” الاتحاد الحر” , ككيان انتخابي مواز رداً عن حرمان طلاب الإخوان من المشاركة بانتخابات اتحادات طلاب جامعات مصر.

التجربة الأولي علي المستوى الحركي للإخوان حققت مساحات فاقت أنشطة أحزاب الطلاب السياسية المهلهلة ووضعتها في مأزق, وكان أن سعى الشباب لانتزاع  أحقيتهم  في تشريع لائحته طلابية” معطلة “, والخدمات الطلابية والتي لاقت إقبالا طلابيا,  وبرع الإخوان في مجالات الابتكار الفني بتقديم أعمال فنية داخل الجامعة وخارجها بمسارح النقابات، وكان له أثره في خضوع أعضاء الاتحاد الحر وقيادات الحركة الطلابية للمحاكمة في عهد المخلوع, كما هو الحال لأي حركات شبابية حراكها يبطل عمل ما قبلها , “صراع الأفضل الذي يظهر عورات ما قبله”.

ورغم إنجازات الإخوان علي الصعيد السياسي, إلا أن الانتقاد الشرعي والفكري ظل يلاحقهم، عن حرمة  الاختلاط و آليه ممارسته, وعن الضرورة التي تجعل شباب وفتيات الجامعة يجلسون في اجتماعات “علنية” بوسط الجامعات.

رقابة القيادة كانت متشددة ببعض المواقف ومتسيبة بأحيان أخري,  ويبقي الشاهد هنا علي تجربة الإخوان أنها انفتحت أمام البعض للدخول بمفرمة لا تفرق بين إخواني وليبرالي وعلماني، فكان لحساسية الكلمة ما بين شاب وفتاه يحملان نفس الفكر ويسعيان باندفاع لتحقيقه أثره علي البنية التربوية لأبناء الجماعة, تسبب في خروج بعض الشباب عن النص الأخلاقي والقيمي الذي وضعته الجماعة , فلجأ بعضهم للتمرد والنزول من مركب الإخوان الضيق, ليكمل الرحلة في مركب آخر أكثر انفتاحاً, ولحق بالمركب ذاته شباب متشكك في القيادة  يسعى لمعرفة ما وراء الكواليس وتفاصيل ما يدور داخل مكتب الإرشاد, مطالباً بعلانية اجتماعاتهم وأحقيته في متابعتها باعتباره جزءا أصيلا منها.

تصريحات الجماعة لمن خرج عن مركبها  وخاصة بعد الثورة كانت مفادها  ” بالسلامة “، قد يكون منطقهم في ذلك أن الفرد هو من يحتاج لجماعة يستقوي بها, وليس العكس, فلا مجال لاستقطاب أفراد، من أراد الانضمام فليتفضل ومن لم يرد فالباب مفتوح , بل إن قوانين الجماعة شددت على أن من لم يلتزم بها فليس لديه ” كرسي ” للجلوس تحت مظلتها .

ركبت زينب مراكب كثيرة  ظاهرها الوطنية وباطنها الإلحاد, ظلت تلوح لمن حولها بالانتحار, بعبارات يائسة,  بالمقابل كانت وسيلة التضامن معها عبارة عن ” لايكات ”  لا تعطي لها مبررات تقنعها بالنزول من مراكب التضليل, أو السباحة بمحيط مراكب الأمان بالاعتصام بالله والعزلة المؤقتة عن قذارة الملوثات من حولها.

رحم الله الصغيرة, ربما ستصدم بأن الموت الذي سعت إليه, قد لا تجد فيه غايتها هو الآخر, عتاب سيكون قاسيا عليها !  فالموت قرار إلهي يقرره الخالق أنى شاء, ولا يجوز لأحد مهما توطدت صلته بربه أن يشاركه صفات وحدانيته.

ما بين أناس تشتهي الانتحار وأخرى تتجهز للقصاص, وغيرها تنتظر التعليق في أحبال المشانق, وأجساد مكبلة بالقيود, وأخرى تغربت خوفاً من بطش, تعافر أجسدنا للعيش”.

سماح إبراهيم
مدونة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان