و فجأة، يعود الموت ليلقى بوشاحه على من أحبت، تفقده بين غمضة عين وانتباهتها، تفقده بعد أن أعدت له طعام فطوره ، بعد أن سكبت له كوب عصيره، بعد أن وضعت قهوته في فنجانه المفضل. يتبع

منذ نعومة أظفارها لم تكن تبالي شيئا.. لم تخف يوما من الظلام .. لم ترعبها فكرة البقاء وحيدة في المنزل .. بل لم تكن تجزع من لعبة الموت في مدينة الألعاب ..كم كان يثنيها أباها عنها لكنها لم تكن تبالي .. كانت تجرى إليها بخطى حثيثة وكأنها كانت تعشق الارتماء في أحضان الخوف.
كبرت أيامها حتى تبدل لون شعرها دون أن تدرى .. مرت الأيام من بين يديها دونما اتفاق مسبق، صارت ترعبها حتى الفكرة، تقف أمام ذات اللعبة ذاهلة، تتسمر قدماها، تعجز عن السير، بل إنها أصبحت تثنى أبناءها عنها دونما إعلان أو تصريح ، تثنيهم دون أن تتحدث، دون أن تبوح بخوفها.
صار مجرد التفكير في الأمر مؤلما .. في البداية كانت تخشى على نفسها .. لكنها مع مرور الأيام ووجود شريك يهواها وأطفال تذوب في تراب أقدامهم، صارت لا تخاف على نفسها بقدر ما تخاف عليهم، لم يكن خوفها يكمن في فقدهم وحسب بل في ألأهم, إن هم فقدوها هي
ثم تذهب بعيدا لتسائل روحها:
هل حقا سيتألمون .. وأي ترتيلة من تراتيل الموت ستتلى عليها.. ترتيلة ألمهم عليها .. أم ترتيلة ألمها عليهم.
كانت تفكر في كلتاهما.. حتى نازعتها ترتيلة ثالثة .. وضعتها أمام كبد الحقيقة التي لاشك فيها ولا جدال .. لماذا تخشى تراتيل الموت .. لماذا تهابها حقا.. أوليس جوار رب كريم هو الأفضل من عذابات البشر في دنيا لا ترحم ..ألم يسم نفسه الغفور الرحيم .. لماذا تخشى لقاءه .. لماذا تخاف على أحبتها من جواره.
فتجيبها تلك الترتيلة بكل أريحية أن الخوف يكمن بين سطور المجهول حتى وإن علمت جماله وروعته إلا أنه في نظرها لازال مجهولا.
تتلاحق عليها تراتيل الموت لتشعل خوفها على أحبائها تارة ولتتعلق برجاء ربها تارة أخرى.
تستيقظ ذات صباح وقد قررت ألا تفكر في الأمر كثيرا بقدر ما ستفكر في تراتيل الحياة .. فلقد خلقنا الله لنزرع الفسيلة ونسقيها حتى نلقاه .. لا تدرى إلى متى, لكنها عاهدت ربها ألا يثنيها أي شيء عن غرس فسيلتها .. تأخذها الحياة .. تتناسى حينا ..تيأس أحيانا .. تتهالك قواها.. تخور ..ثم تستيقظ مرة اخرى لترعى فسيلتها.
و فجأة، يعود الموت ليلقى بوشاحه على من أحبت، تفقده بين غمضة عين وانتباهتها، تفقده بعد أن أعدت له طعام فطوره ، بعد أن سكبت له كوب عصيره، بعد أن وضعت قهوته في فنجانه المفضل، بعد أن قضيا الليل يضحكان، يهذيان يتعاركان ثم يقتربان مرة أخرى فيعود الجنون يلف عالمهما وكأن شيئا لم يكن.
تفقده بعدما عاهدت نفسها ألا تفقده مرة أخرى, حتى ولو في أحلامها ولو بينها وبين نفسها، بعد أن هيأت قلبها لالا تفجع فيه وأنه حينما يأتيه خبرها تكون قد دربته جيدا على مداواة جرحه حتى يكمل مسيرته، تفقده بعد أن أيقظته من نومه كعادتها بلطف، لا يستجيب في البداية, فتجرى عليه طقوس الاستيقاظ التي عهدها، لكنه لا حراك، لا تصدق في البداية كما لم يصدقها الجميع عندما أخبرتهم بأنه قد فارقها دونما استئذان منها أو حتى كلمة وداع.
لا يصدقها أحد ويسألونها
أكان مريضا؟
هل أصابه مكروه قبلها؟
هل دهسته مدرعة أو لدغه عقرب؟
هل قفز من الطابق الثلاثين؟
وكأن تراتيل الموت لا تجرى إلا على المرضى أو كبار السن.
في البداية لم تكن تجيب، ولا تعرف بماذا تجيب، تصمت صمت بركان خامد يوشك على الانفجار، ثم تأتيها الإجابة أن وقته قد انتهى، وأن رحيله حان إلى موطنه الأصلي، وأن مالك الملك قد أراد، وأن إرادته نافذة، وأننا قد قبلنا الهدية، وأن هديته قد ردت إليه في أحسن حال، وأنه الآن منعم، وأنه يضحك في الجنة، وأنه قد يرافق النبي عند الحوض، وأنه يرانا ويلقى علينا السلام، وأن حبه لنا قائم، وأن فراق الأجساد لا يعنى الرحيل، وأن الجسد وإن فارق فالروح باقية في الجوار تحدثها متى شاءت وكيفما شاءت، فمنذ متى والجسد يحوى الكمال, والروح هي التي نفخت من لدن عزيز جبار!!
تتابعها تراتيل الموت واحدة تلو الأخرى ..تهرب منها هروب السبع في الفلاه ثم ما تلبث أن تلاحقها مرة أخرى لتنكشف أمامها حقيقة واحدة لا مراء فيها ولا جدال: “لمن الملك اليوم .. لله الواحد القهار”.
غير أن الموت الذى كان يخيفها بالأمس لم يعد كما كان بقدر ما أصبح يؤرقها ألم الفراق الذى صارت تغفو وتصحو عليه.
وتظل هكذا متشحة بحلاوة الصبر ومره حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.
فاطمة المهدي
استشارية تربوية مصرية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
