إن لكم في “نوكيا” لعبرة

كم هو سخيف هذا “التاريخ”.. سخيف لا يملّ تكرار نفس الحكاية.. هكذا يقولون دائمًا!!
ربما في أول مرة يحكيها تكون شيقة مفيدة. لكنه بعد ذلك لا يتوقف عن التكرار.. هكذا يقولون أيضًا!!
أنا لا أراه سخيفًا.. ولكن لا أدرى لماذا يفعل ذلك؟ ربما لأننا لم نستفد من أول حكاية ولا من الثانية ولا حتى من الحكاية المائة؟
“نوكيا” هي واحدة من مئات أو آلاف الحكايات المتطابقة تقريبًا.. الأحداث تتكر بشكل لا تحتاج معه للتنبؤ بالنهايات.. هي هي!
عام 2013 كتبت شهادة وفاة شركة نوكيا بعد عمر 150 عام، تربعت خلاله على عرش شركات العالم لمدة 30 عامًا.. وذلك بعد أن قررت شركة مايكروسوفت التي اشترت “نوكيا” بـ 7.2 مليار دولار عدم استخدام اسم “نوكيا” على الهواتف النقالة التي تعزم على طرحها في السوق.
قبل هذا التاريخ بـ 6 سنوات فقط كانت نوكيا فوق القمة متربعة دون منافس.. غزت أسواق كبرى الدول وأبهرت العالم بمنتاجتها،
حتى فاجئتها شركة آبل بمنتجها الجديد “آيفون” الذي كان المسمار الأول والأكبر في نعش نوكيا.. وبعدها بدأ الانهيار السريع ثم السقوط المدوي.
ولم تفلح محاولات “نوكيا” المستميتة لكي تجدف مسرعة للحاق بـ”آيفون” و “سامسونج”.. بل كان كل يوم يمر تخسر من قيمتها السوقية حوالي 23 مليون دولار.
ومن المفارقات أن الـ 7.2 مليار دولار التي دفعتها مايكروسوفت ثمنًا لنوكيا عام 2013، تعادل رقم الأرباح الذي حققته الشركة في عام وااحد فقط هو 2007.
 
هل كانت نوكيا شركة عالمية؟ لديها فريق مميز مبتكر؟ لديها إدارة قوية؟ تمتلك رؤية إستراتيجية؟ تفهم احتياجات السوق وتعرف أداوت التعامل معه؟.. أسئلة بديهية.. إجاباتها كلها قطعًا نعم.. لكن ما الذي حدث؟
الذي حدث.. هو نفسه ما حدث مع إمبراطورية فارس العظمى التي أسقطتها الدولة الوليدة في شبه الجزيرة العربية، هؤلاء الذين عرفهم العالم كتجار ورعاة للغنم ولم يعرفوا الدولة الموحدة.. ولا أي نظام سياسي غير حكم القبيلة.. في سنوات قليلة ورثوا دولة فارس!!
الأمر نفسه تكرر مع إمبراطورية إنجلترا التي لا تغيب عنها الشمس.. الاتحاد السوفيتي.. وغيرهما من الإمبراطوريات الكبرى، وتكرر مع أحزاب كانت قوية ثم فوجئت بهزيمة نكراء على يد حزب ناشئ.
جماعات.. منتخبات رياضية.. قادة.. زعماء.. فنانون.. كُتّاب..
الأمثلة لا تنتهي
الأفكار التي اعتنقها الملايين.. العبارات التي ألهمتهم.. الشعارات التي أوقدت حماستهم.. الهتافات الي خفقت لها قلوبهم
أو المنتجات التي لهثوا وراءها.. المسلسلات التي أحبوها.. الفرق الرياضية التي شجعوها.. الملابس التي اقتنوها
ثم بعد ذلك ينتهي كل شئ ليظهر الجديد الذي يرث القمة ويتربع عليها..
وهذا الذي لم يعد يدرك احتياجهم أو ذوقهم أو تحول قناعتهم.. نسوه ولم يعدوا يكترثوا لأمر هذا الذي سقط في القاع بسرعة أكبر من سرعة الصعود للقمة..
ربما وهم رقود في القاع.. يسألون أنفسهم بكل عجب : ما الذي حدث؟
لقد كانوا حولي يؤيدونني.. يرددون عباراتي.. يزهون بالانتماء إلي.. يؤمنون بي..
أو يتباهون باقتناء منتجاتي!! يتسارعون لشراء إصداراتي!!
ما الذي صرفهم عني؟ وكيف هزمت من أول جولة بهذه السهولة؟
هذه هي الحقيقة المُرّة.. إن لم تمتلك القدرة على إدارك الواقع الذي لا يتوقف عن التغيير، إن لم تفهم جيدًا كيف يفكر من حولك؟ وما حجم قوة منافسيك.. فإنك ستذهب ولن تعود.. فـ “القمة” لا تسمح بالبقاء عليها لمن يغتر بقوته ويستهين بالآخرين ويعزل عقله عن المتغيرات التي حوله.. ويظن أنه وصل لمنتهى أسباب القوة.
فهل تتخيل أن تواجه البندقية بسيف حتى لو كنت الأمهر؟!.. أو أن يسبق الفرس سيارة سباق حتى لو كان الأفضل؟!
هنا سيجيبك التاريخ إجابة واحدة ودون تردد

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان