ناداه أطفاله مطالبين بتغيير المحطة، ضغط الزر، ثم تابع الفيلم على مضض فى البداية، استرخى وتخلى عن إحساسه بالذنب وقرر أن يستمتع مع أبنائه.. يتبع.
![]() |
| فاطمة المهدي |
فتح التلفاز لينفض عنه ما علق من ضغوط يومه، وجد فيلما طالما أحبه، تنهد تنهدة عميقة بأن السهرة مع عائلته ستكون أمتع بمشاركتهم .
أعد مستلزمات سهرته: عصائر، مقرمشات، ضوءا خافتا، وشموعا. نادى زوجته وأبناءه، بدأ الفيلم وبدأت معه المتعة، بعد عدة دقائق من بداية الفيلم قطع الاستمتاع فاصل إعلاني قام صديقنا على أثره بضغط زر التحكم إلى قناة إخبارية، وكانت المفاجأة: الأقصى يهاجم من قبل الجنود اليهود،ضرب وكر وفر، صدم للوهلة الأولى، لم يدر ماذا يفعل، لم يفكر كثيرا، فتح هاتفه النقال وضع بصمته قائلا :
“لن تركع أمة قائدها محمد “
ناداه أطفاله مطالبين بتغيير المحطة، ضغط الزر، ثم تابع الفيلم على مضض فى البداية، لكنه بعد وقت قصيراسترخى وتخلى عن إحساسه بالذنب وقرر أن يستمتع مع أبنائه.
انتهى الفيلم، آوى إلى فراشه ثم نام ملء جفونه.
فى الصباح مر كعادته على نشرة الأخبار.
صورة الأمس نفسها مع تغيير بسيط.
(اشتباكات فى محيط “حطام” المسجد الأقصى)
مر عليه الخبر مرور الكرام لم يسعه وقته ليشجب اليوم على صفحته على الفيس بوك بسبب تأخره عن عمله. توجه مباشرة إلى عمله. كان حديث أصدقائه فى العمل حول الأبناء ودراستهم، همومهم الاقتصادية، تحكمات زوجاتهم، أين تذهب هذا المساء، لم يتطرق أحدهم لما حدث، حتى هو، لم يشغل الموضوع باله بدرجة كبيرة، وفي خضم انشغاله قاطعه صوت الهاتف:
-أبى.
-أي حبيبى
-لقد هدم المسجد الاقصى
-أعلم
-تعلم! ماذا سنفعل؟
صفعه سؤال ولده. لم يستطع أن يجيبه لأنه ببساطة لا يعلم ماذا يقول.
لكنه بعدما أغلق الهاتف كان قد حزم أمره، سيكون شجبى اليوم أشد وأعنف.
سوف أشجب بكل الطرق..على صفحة الفيس بوك، بينى وبين أصدقائي، بل سأشجب مرة في الصباح ومرتين في المساء تتخللهما مرة بعد تناول طعام الغداء.
استيفظ صباح اليوم التالى ليرى ما فعله شجبه، وجد ألف إعجاب على ما كتبه، وصفوفا متراصة من التعليقات التى شجبت مع شجبه، تعليقات تحوقل وتعلقيات تسترجع وتعليقات فاقت هذا وذاك، حيث قامت بنشر صورة من شجبه ليصل للعالم أجمع أننا هنا ومازلنا نشجب، نشجب ما يحدث، نشجب الصورة، نشجب حتى صوتهم، ثم نتعجب لم لا يؤتي الشجب ثماره!!!
نعم يا سادة، هذا هو حالنا، هذا ما آلت إليه قلوبنا، تمرغنا في انشغالاتنا بدعوى المسؤولية حتى لم نعد نرى ما يحدث لحال الأمة، وإن رأينا فار الدم فى عروقنا ساعة أو سويعات ثم مانلبث أن نعود لطبق نشتهيه ورداء نرتديه وبيت نقتنيه.
تباغتنى دوما تساؤلات لا أعرف إجابتها أو قد أعرف لكنى قد أكذب نفسي:
هل حولنا حقا حكامنا إلى مسوخ ؟
هل لعب الإعلام لعبته حتى لم نعد نعلم عن الأقصى سوى بيتين لمطر وصورة شهيد تتدلى فوق حروفه؟
هل صار الأقصى رمزا تتغنى به جدتي في حكاياها لولدي قبل النوم؟
هل نعلم عن الأقصى شيئا سوى قبة ذهبية وغصن زيتون ؟
هل صار الطفل المقاوم رمزا نصفق له متى شئنا ونتهمه بالإرهاب متى شاءوا أن يصوروه لنا ؟
هل صار ما يمنعنا عن بيت المقدس حدود سياسة وأوامر رئاسية،
أم أن قلوبنا هى التى غطاها الران فصرنا نشجب حتى طريقة شجبنا؟
فاطمة المهدي
كاتبة وخبيرة اجتماعية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

