أبوبكر مشالي يكتب: مأزق “حماس” الراهن ..الفرص والمخاطر

حماس أثبتت بالدليل العملي أنها تُغلّب مصالح الشعب الفلسطيني علي علاقاتها مع الآخرين. و تنصف المبدأ على حساب المصلحة واتضح ذلك في علاقتها بالنظام المصري.. يتبع.

تقدم حركة المقاومة الإسلامية حماس نفسها دائماً علي أنها برنامج مقاومة و حركة تحرر وطني, تسعي للحفاظ علي الثوابت الفلسطينية ومقاومة مشاريع التطبيع مع الاحتلال, و تحاول بكل ما أوتيت من فرصة خدمة شعبها و تحرير أرضها, لكن عنوان المقاومة أخذ منحنى آخر حين خاضت الحركة الانتخابات التشريعية عام 2006 تحت سلطة جاء بها “اتفاق أوسلو” والذي رفضته حماس رسمياً.

خاصت الحركة الانتخابات و فازت بالأغلبية, الأمر الذي سمح لها بتشكيل الحكومة و بالتالي انتقلت تلقائياً من مربع المقاومة إلي مربع الحكم مباشرة دون أية استعدادات, وهذا التحول في نظري هو الخطأ الأكبر الذي تورطت به حماس و إن كانت لم تسع إليه راغبة, لكنها كما تعلمون تنازلت عن الحكم في غزه لصالح حكومة التوافق الوطني “الغير مؤتمنة”, إيماناً منها بضرورة توحيد الجهود والتوافق الوطني والعمل المشترك لخدمة الشعب الفلسطيني.

لكن الحركة اليوم تقف أمام تحديات كبيره, أولها إنهاء الحصار المفروض علي غزة والذي أنهك القطاع اقتصادياً, وإعادة إعمار ما دمره الاحتلال في الحروب الماضية, وهذا لن يحدث سوي في ظل مناخ سياسي مستقر تسعي هي إليه   والاحتلال في آن واحد عبر اتصالات غير مباشرة من هنا و هناك للتوصل إلي تهدئة طويلة الأمد بين الطرفين كل منهما في احتياج لها.

لكنكم كما تعلمون أن الغرب كان و مازال و سيبقي وسيطاً غير مؤتمن و منحازاً لصالح الكيان الصهيوني علي حساب حقوق الشعب الفلسطيني, وهذا هو المأزق الراهن الذي تعيشه الحركة اليوم, إذ أنها تقف وحدها أمام حكومات دول وشخصيات تحاول إتمام تهدئة بأقل تكلفة علي الاحتلال عن طريق الضغط سياسياً علي حماس, الأمر الذي لن تقبل به قيادة الحركة و ربما هذا هو حجر العثرة أمام إتمام الاتفاق.

الحركة أمامها فرصة للاستفادة من التقارب الغربي والوساطة الأوروبية في التغلب علي العزلة التي تعيشها في الإقليم العربي في ظل انشغال كل دولة بصراعاتها الداخلية, لكنها بذات الوقت مطالبة بالتنبه إلى مخاطر هذا التقارب إن لم يكن في سياق مفهوم فسيؤثر سلباً علي علاقتها بشركائها القدامى, فكلنا يدري ما الذي جنته منظمة التحرير وسلطة عباس حين رهنوا مواقفهم لدي الغرب وما أوسلو عنا ببعيد.

فضلاً عن أن الغرب يسعي بكل ما أوتي من فرصه لانتزاع اعتراف من حماس بشرعية الاحتلال و لو ضمنياً, و من ثَم محاولة إدراج الحركة في العملية السياسية جنباً إلي جنب مع السلطة, و هذا من المخاطر التي ربما تتعرض لها الحركة تحت وطأة المفاوضات و تأثير الوسطاء, وهذا إن حدق سيسحب من رصيد الحركة السياسي و تاريخها المقاوم و حاضنتها الشعبية.

الحركة مطالبة بالتنبه إلي دوافع الوسطاء و مماطلاتهم, فبعضهم يسعي لحرق المرحلة و كسب الوقت ولن يستفيد من ذلك سوي الكيان الصهيوني الذي يحاول الآن إعادة ترتيب بيته الداخلي و تقييم أداءه, والأمر الأكثر خطورة من ذلك هو أن يكون سلاح المقاومة خياراً مطروحاً للتفاوض من أجل اتمام التهدئة ورفع الحصار عن غزة أو إحداث تنمية مؤقتة وما إلى ذلك من المغريات التي ربما تُعرَض على الحركة.

رغم كل هذه التخوفات إلا أنه لا أحد يملك الحق في أن ينكر علي حماس تقاربها من الأوربيين و فتح أفق تواصل بينها و بينهم, فحماس تتمتع باستقلالية تؤهلها للعب هذا الدور, و تسعي للاستفادة من هذا التقارب في الحصول علي شرعية دولية تمكنها من إسقاط اسم الحركة من عن قوائم الإرهاب الدولية بعد أن خذلها محيطها العربي.

لاشك أن المعادلة الأمنية التي يتعامل من خلالها الاحتلال هي “الهدوء مقابل الهدوء” و تبنت حماس هذه المعادلة علي مدار أعوام خلت, إلا أنه لم يعد مقبولاً اليوم التعامل علي أساسها, لأن الهدوء عند الاحتلال يعني الموت البطيء لقطاع غزه الذي لم يعد يملك مقومات الحياة الرئيسية كالكهرباء و المواد الغذائية, لذلك لابد من ثمن يدفعه الاحتلال مقابل أن ينعم بالهدوء والأمان, و إن لم يكن هذا الثمن عسكرياً فلابد أن يكون اقتصادياً, فلابد من التوصل لاتفاق يرتقي إلي تطلعات الشعب الفلسطيني.

حماس أثبتت لنا بالدليل العملي أنها تُغلّب مصالح الشعب الفلسطيني علي علاقاتها مع الآخرين، وهذا اتضح في علاقتها بالنظام المصري الحالي, وأنها  تنصف المبدأ على حساب المصلحة وهذا ظهر جلياً في موقفها من الثورة السورية, الأمر الذي أدى إلى حرق مقراتها في دمشق وعزلتها إلى أن تم استضافتها في الدوحة, وموقفها الأخير من إيران, فحماس لم ولن ترهن ورقة الحركة في جيب أحد أياً كان المقابل ومهما بلغت المغريات, ولن يقدر أحد علي ليّ ذراعها, فدائماً ما تُفاوِض من منطق القوة حتي و إن كانت تعاني أزمة.

وسط كل هذه الأعباء المثقلة بها الحركة والتي يعيشها الشعب الفلسطيني, ستبقى الضفة الغربية قنبلة موقوتة محتمل انفجارها في أية لحظة، وليس أخطر من وضع الضفة سوي خطر التقسيم الزماني و المكاني للمسجد الأقصى الذي شرع الاحتلال في تنفيذه منذ الثالث و العشرين من أغسطس بعد أن أغلقوا المسجد من السابعة والنصف صباحاً حتي الثانية عشرة ظهراً في وجه المصلين كي ينعم المستوطنون بالأمان في رحابه, فضلاً عن تحديد سن من يُسمح له بالدخول للصلاة , ليس هذا وفقط بل تطور الأمر للاقتحام المتتابع لحرم المسجد هذا الأسبوع بقيادة شخصيات حكومية رسمية وليس مستوطنين كما كان سابقاً, وهذا تطور نوعي في طبيعة الصراع, والكل مطالب بالدفاع عن مسري رسول الله صلي الله عليه وسلم, الشعب الفلسطيني خاصة بحكم الجغرافيا و الأمة العربية والإسلامية عامة بحكم الدين و النخوة وحرمة المقدسات.

أبو بكر مشالي
مهندس ومدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان