أبو بكر مشالي يكتب: افرح بالعيد ولا تستفت في الفرحة أحدا

أدّعي أن ثمة مساحة للفرح يمكن أن نصنعها ولو خلسة , نعقد هدنة مؤقته مع الحزن في العيد لساعات أو لأيام ما استطعنا إلي ذلك سبيلا , نتجاهل نشرات الأخبار .

أبو بكر مشالي

لا أحد يعيش حياته كما لو كانت نزهة , لكل منا ألمه الخاص , عذاباته التي لا يُشفي منها , كلنا مثقلون بالهم , محملون بالخيبة , مسكونون بالعار , مدججون بالغضب , مهيؤون لسوء الطالع , نمارس الحياة لأنها أقل كلفة من الموت .

أصبحنا نعيش علي النفسية الاحتياطية التي كان من المفترض أن نلجأ إليها بعد سن الأربعين.

كل ذلك لأننا وعلي غير رغبة منا و دون أية خيارات مسبقة نعيش في منطقة النزاعات و الحروب و صناعة الكراهية و الاحتفاء بالزيف , نحن أبناء الوطن العربي الذي لا يراد له أن يكون بخير.

لكنني و رغم كل ما يحيط بنا من سواد , أدّعي أن ثمة مساحة للفرح يمكن أن نصنعها ولو خلسة , نعقد هدنة مؤقته مع الحزن في العيد لساعات أو لأيام ما استطعنا إلي ذلك سبيلا , نتجاهل نشرات الأخبار , نتوقف عن الركض خلف أحداث القتل والدمار والموت , نختبر قدرتنا علي رسم البسمة ولو تجملاً , فلا يليق بنا في العيد سوي أن نفرح , لأنه عيد ولأن الله سنّه لنا.

نفرح كي لا نجمع مع مرارة الحزن إثم اليأس من رحمة الله و فرحه , نفرح لأن الفرح شعور بالرضا و اعتراف بالنعمة و احتساب و أجر , نبتسم رغم جلل المصاب و شدة الألم و تعاقب النكبات , رغم آلاف المعتقلين في سجون الانقلاب العسكري المصري .

 رغم آلاف الشهداء و اللاجئين السوريين , رغم الدمار الذي حل بالعراق , رغم ما أصاب اليمن الذي كان سعيداً , رغم الحصار المفروض علي أهلنا في غزه , رغم ما يتعرض إليه المسجد الأقصى من تقسيم , نبتسم لأننا نؤمن أن أمرنا كله لنا خير وأن الله أحرص علينا منّا.

نبتسم دون التنازل عن حقنا في الحزن , دون أن نخون ذاكرتنا , دون أن نتنكر للألم أو ندير ظهورنا للوجع , نبتسم لنمنح غيرنا الفرصة للفرح في هذا اليوم , نبتسم و نحن نتذكر قول النبي في حجة الوداع “إن دماءكم حرام عليكم” فنحمد الله أننا لم نصب دماً حراماً , نبتسم لأن أهلنا و أصدقاءنا يبحثون عن أية فرحة ولو بشكل مستعار فلنكن نحن من يرسمها علي وجوههم , نبتسم لأننا كلما ودّعنا شهيداً ابتسمنا , نبتسم ونحن مطاردون ونحن محكومون بالمؤبدات و الاعدام و السجن المشدد , نبتسم ونحن لا نعلم متي ستنتهي الغربة ونلتقي بأهلها وكم عيداً سنقضي بعيداً عنهم , نبتسم حتي لو اتهمنا البعض بالبلادة و انعدام الشعور و اللامبالاة , نبتسم حتي لو خنقتنا العبرة فسال الدمع كالنهر , نبتسم لأننا مؤمنين ولا يليق بالمؤمن أن يجزع أو يحزن في يوم عيد.

نبتسم لأنه سيأتي اليوم الذي تكتشف فيه أن الحياة كانت علي غير ما تعتقد , كانت أكبر من أن تستسلم للحزن مهما كان السبب , أكبر من أن تندب حالك و تتوشح السواد ,, نبتسم كي لا نعطي الفرصة لمن كان سبباً في حزننا أن يشمت فينا , كي لا يروا الدمع في عيوننا فيظنوا أننا انكسرنا فيشعرون بلذة الانتصار علينا , نبتسم و نحن نتعاهد فيما بيننا علي استكمال الطريق ثابتين أو نموت و نحن نحاول , نبتسم لأننا سنبكي كثيراً حين نتحرر و ننتصر , نبتسم لأن ثمة أطفال نستحق أن نفرح لفرحهم , ابتسم لا تكن مُراً ولا تجعل حياة الناس مُرّه , ابتسم لأن الحزن لن يحرّك ساكناً سيقتات علي صحتك و أعصابك و يسرق عمرك , ابتسم لأن الابتسامة صدقة و الايمان حالة فرح , ابتسم راضياً فالحمد لله علي كل ألم صار بالاحتساب اجرا.

نبتسم و نُكّبر وكلما كبّرنا علا تكبيرنا أكثر  “ولتكبروا الله علي ما هداكم و لعلكم تشكرون”

الله أكبرُ الله أكبر ,, والفؤادُ مهلل و يكاد ينطقُ هاتفاً لبيك

الله أكبر ,, والمدائحُ كلها منثورةٌ يا رب بين يديك

أبو بكر مشالي

مدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان