نادية أبو المجد تكتب: صليت في المسجد الأقصى

ما زلت أتذكر الأسئلة الأمنية هناك من نوعية “هل رتبت حقائبك بنفسك”؟ هل ظلت حقيبة سفرك في غرفتك حتي بعد نومك؟ هل أنت متأكدة أن أحدا لم يدس شيئا في حقيبتك؟

  الإعلامية نادية أبو المجد

كان ذلك في أبريل 1994

وأنا أتابع الانتهاكات الجديدة ضد المسجد الأقصى، ومعاناة المصلين والمرابطين الفلسطينيين والفلسطينيات هناك مرت في بالي ذكريات زيارتي وصلاتي بالمسجد الأقصى

كنت أعمل صحفية في جريدة أمريكية أسمها” نيوزداي ” ومقرها “لونغ أيلاند ” في نيويورك- الولايات المتحدة الأمريكية- وكانت مديرة المكتب في القاهرة تدير كذلك مكتب القدس .

وسألتني ، بعد قتل مستوطن إسرائيلي لـ 29 مصليا في الحرم الإبراهيمي في الخليل في فبراير 1994، إذا كنت أود مرافقتها في تغطية أحداث القدس؛  حيث كان من المقرر البدء في محاكمة بشأن هذه الجريمة؛ رغم أنه تم قتل المستوطن بعد ارتكابه الجريمة من قبل مصلين آخرين ، فوافقت رغم المشاعر المتضاربة.

سلمت جواز سفري  لمدام “ميرفت إسرائيل” كما يطلق عليها زملاؤها الموظفون في مجمع التحرير، وسلموني جواز سفر مؤقت للسفر إلي هناك.

ما زال وصف مشاعري قبل وبعد هبوط الطائرة في مطار بن غوريون صعبا بعد كل هذه السنوات، وما زلت أتذكر الأسئلة ألأمنية هناك من نوعية “هل رتبت حقائبك بنفسك”؟ هل ظلت حقيبة سفرك في غرفتك حتي بعد نومك؟ هل أنت متأكدة أن أحدا لم يدس شيئا في حقيبتك بعد نومك؟ تعلمين أنك ستتحملين مسئولية وجود أي شيء مخالف في حقيبتك ؟” الخ  وأسئلة أخى مثل: هل سأزور المسجد ألأقصي في القدس الشرقية وغزة؟

” وكانت إجابتي “طبعا سأزور وسأصلي في المسجد ألأقصي” ونعم سأزور غزة والخليل والضفة الغربية.

وكان المسجد الأقصى والصلاة هناك من أول ما فعلت   … ما زلت أتذكر شعوري عندما لاحت قبة المسجد الذهبية (قبة الصخرة) عن بعد … وبكائي الطويل عند السجود هناك … وأنا غير مصدقة أني أصلي في حيث أسري الرسول صلي الله عليه وسلم.

لقد أديت العمرة مع أسرتي، وأنا في سن ال 15 عاما، وكنت دوما أحلم بزيارة المسجد الأقصى؛ ولذلك انتهزت فرصة هذه الزيارة.

ما زلت أتذكر أغنية فيروز القدس العتيقة، وكانت الأغنية التي تفتح عليها وعيي في مدرستي الاعدادية في الكويت حيث كانت تتردد أصداؤها في الفسحة.

ولذلك بحثت عنها أول ما وصلت الي أسواق القدس الشرقية، ولم يطل بحثي حيث جاءني صوت فيروز وهي تغني ” مريت بالشوارع … شوارع القدس العتيقة … قدام الدكاكين اللي بقيت من فلسطين ” من محل صغير لشرائط الكاسيت علي مقربة من عدد من الجنود الإسرائيليين.

واشتريت نسخة من الشريط وكوفية فلسطينية قبل أن أتوجه للصلاة في المسجد الأقصى مما أستفز إحدى الجنديات التي فتشتني قبل دخول المسجد، وألقت بهم علي الأرض في غضب وغيظ وكأنها أدوات إرهابية لكنها لا تستطيع منعها أو منعي من دخول المسجد الأقصى بسببها. صليت في المسجد الأقصى عدة مرات … كنت ألتمس هناك الطمأنينة خلال هذه الزيارة.

كما زرت الحرم الإبراهيمي بالخليل، والذي كان  لا يزال مغلقا بعد المجزرة التي حدثت هناك، وشهدت اندلاع اشتباكات بين الشباب الفلسطيني والجنود الإسرائيليين بعد أن رشقهم الشباب بالحجارة لرفض قوات الاحتلال فتح الحرم الابراهيمي لهم، ورد الجنود عليهم بالرصاص الحي، وانا في ذهول وخوف مما يحدث حولي وقبض علي أحد الجنود وأنا في هذه الحالة؛ الا أنه تركني بعد أن رأي بطاقتي الصحفية وأخرجني من مكان الأشتباكات .

ورأيت هناك منازل المستوطنين وسط بيوت الفلسطينيين، وما زلت أتذكر كيف أن كثيرا من قاطني هذه المنازل وضعوا قضبانا حديديه علي النوفذ والأبواب بدعوي حمايتها من الفلسطينيين! وكأنهم قرروا أن يسجنوا أنفسهم بالسكن وسط الفلسطينيين أصحاب ألأرض.

تذكرت كل ذلك بألم وأسي بعد جريمة إحراق مستوطنين إسرائيليين لمنزل عائلة الدوابشة في نابلس حيث فارق الحياة فيها الطفل علي أولا، ثم والده ثم والدته، ولا يزال أخوه الطفل أحمد يرقد في المستشفى يعالج من حروقه ولا يعرف لماذا لا تزوره أسرته.

كما زرت غزة ومخيم جباليا حيث اندلعت الانتفاضة الأولي في ديسمبر 1987،  وما زلت أتذكر الطفل الصغير الذي كان يرمي الحجارة علي جندي إسرائيلي في طريق عودته من الحضانة، وكان الحديث وقتها عن خطة إعادة الانتشار بعد اتفاق أوسلو فبلها بعام، ومن الجدير بالذكر أن الجيش الاسرائيلي انسحب عام 2005 بعد صمود المقاومة خلال الانتفاضات.

كان صعبا رؤية مأساة العيش تحت الاحتلال بعد أن سمعت وٍقرأت عنها كثيرا.

ما زلت أردد كان الله في عون المواطنين العرب الذين يعيشون تحت احتلال خارجي مثل الفلسطينيين أو تحت أنظمة تقتل شعوبها لتظل في السلطة  بعد أن انقلبت علي السلطة الشرعية، أنظمة مفروض أنها جاءت بعد التحرر من الاستعمار الأجنبي ورفعت شعار لا صوت يعلو علي صوت المعركة وزعمت ولا تزال تزعم أن  القضية الفلسطينية هي قضيتها الأساسية والنتيجة : لم تتحرر فلسطين ؛ بل أصبح كثير من العرب تقتلهم جيوش بلادهم،  أصبحوا يفرون إلى البحر، والمنافي بحثا عن الحياة الحرية، والعيش بكرامة .

 نادية أبو المجد

كاتبة وإعلامية مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان