إيمان مسعود تكتب: السبيل إلى نهضة الشعوب

قد يُبرر البعض هنا وهناك العَوار الذي يكسو أخلاقه, بأنه لوث أصابه من المجتمع الذي بات يغرق في الانحلال الأخلاقي؛ فالأنظمة العربية لم يكن الإسلام يوماً مرجعيتهم في الحكم. يتبع

للأخلاق دور أساسي وحضاري في نهضة الشعوب وحمل رسالة الإسلام، ولقد أكّد السياق التاريخي أن تقدّم الشعوب حضارياً وعلمياً، وارتقاءها في سلم الأخلاق بينهما علاقة طردية.

فانهيار أخلاق مجتمع ما وفساد سلوكه يصحبه انهيار قيمته ومكانته بين الشعوب، لذا حدد الرسول – صلى الله عليه وسلم – غاية رسالته بوضوح بيّن “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

فالأخلاق أصيلة في الفطرة الإنسانية أتى الإسلام ليكمل نواقصها.. فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم عُرف بين كبار قُريش في مكة بالصادق الأمين حتى قبل أن يُكلّف بالرسالة؛ لكن واقع الجيل الإسلامي اليوم أنه قد حصر الدين في قشوره من لحية وجلباب وفي طقوسه من صلاة وصيام دون أن تُسلم جوارحه أو قلبه فحُرم جميل الدين وجوهره.

عندما وضع الله تعالى شرائع الإسلام ليُنظّم بها إطار حياة مُعتنقيه جعل الالتزام بالمبادئ وترسيخ القيم والعهود، حتى الشعائر الدينية التي يتوهم البعض أنه بتأديتها قد أقام دينه تجتمع غايتها في تزكية النفوس وترسيخ المكارم، والأدلة في توثيق ذلك كثيرة يقول الله تعالى (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) فإذا لم تُثمر الصلاة الإقلاع عن فحشاء القول ومُنكر الأفعال فلا أهمية لتأديتها، ويقول الله تعالى في الزكاة ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) فالزكاة قبل أن تعود على الفقير بالعفة والغنى ينبغي أن تعود على المتصدّق بغرس الألفة والمحبة في نفسه وحمله على التسامي عن المن على الفقراء.

ومثل الصلاة والزكاة في غرس القيم – الصوم – فهو يعلّم الصبر وصدق مراقبة العبد لربه، والترّفع عن بذيء الأقوال والأفعال مهما بادر أحد إلى شتمه ليس على سبيل الضعف والجبن إنما على سبيل التسامي وقوة الصفح ، وهكذا سائر العبادات المفروضة على تباين مظهرها شُرعت لترسيخ جوهرة أخلاقية؛ فإذا لم ينعكس تأديتها على شخصية المسلم وسلوكه مع من حوله فلا جدوى منها، كما هو الحال مع المرأة التي ذكر الصحابة  لرسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ أن فلانة تُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ! فأجاب النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ” هي في النار “.

قد يُبرر البعض هنا وهناك العوار الذي يكسو أخلاقه بأنه لوث أصابه من المجتمع الذي بات يغرق في الانحلال الأخلاقي؛ فالأنظمة العربية لم يكن الإسلام يوماً مرجعيتها في الحكم والشعوب قد ارتضت ذلك وتعايشت معه ونفذت عكس ما فقهته من أمور دينها، وتلك مبررات وإن كان مُحقاً لن تُفلته من الحساب على التفريط في مكارم الدين ومبادئه.

فالإسلام عندما نزل في مكة حمله بضع أفراد لا يتعدّون العشرة ولم يكونوا في ظل حاكم إسلامي بل كانوا تحت إمرة كبار قريش حتى الآيات القرآنية التي أُنزلت بمكة كانت مصبوغة بتقويم الأخلاق وتعديل السلوك وغرس الإيمان وانعكاس ذلك على الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم من قبلهم، واكتسابهم فضائل الإسلام كالحلم والأناة والصدق والأمانة؛ فأسلم كبار قريش حُباً في فضائل الإسلام لا خشيةً من سيف معارك الفتوحات، ذلك أن الله تعالى أراد بذلك بناء جيل وتهيئته لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة تكون فيها الغلبة للمسلمين حاكماً ومحكوماً.

ومثل ذلك واقعنا المعاصر .. كل فرد في المجتمع المسلم مكلّف بإقامة الدين في نفسه، فيقتدي بمكارمه من حوله فيكونون نواة منظومة إسلامية متكاملة يحيا فيها الجميل من الأخلاق من حفظٍ للعهود وحسن معاملة الخصم والتزام منهج النبوة في التعامل مع أسرى الحرب فالأخلاق تُعرف عند الاختلاف، وإعمال العقل بالعمل والإنتاج وتنقية القلوب من الحقد والحسد.

إيمان مسعود
مدونة مصرية

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان