أبو بكر مشالي يكتب: أرض النفاق المقدس

ما الفرق بين من قضي تحت البراميل و بين من مات غرقاً ؟! بين من مات تحت وطأة التعذيب علي يد الحشد الشيعي و من قضى تحت التعذيب في سجون العسكر بمصر؟!. يتبع

 

يفوتك أن تعرف أنك لست مهماً لهذا العالم ولن يفتقدك أو يتأثر بغيابك, طالما أنه ليس ثمة مصلحة ترجي من ورائك, طفلاً كنت أو امرأه,  لا يعرف العالم حرمة لدمك, طالما أنك ضحية نظام مستبد , ضحية ساسة لا يعنيهم سوي تحقيق أطماعهم ولو علي حساب حياتك, ضحية حكومات تضمر غير ما تظهر, تحتفي بالنفاق و تضيق ذرعاً بالنقد و المعارضة, ضحية شعب يحتضر في النزع الأخير لا يملك أن يقول للظالم “لا” ولو علي سبيل العناد و التمرد , ضحية مجتمع يمارس الزيف علي نفسه ولا يعقد ولاءه سوي مع نسخه المشابهة له فقط , ضحية نظام لا يحتمل فكرة التنوع و غير قادر علي الحوار و الاحتواء، فيعتبر الشخص نفسه هو الفكرة فيعاديه و يستحل دمه و يحرّض عليه ما استطاع الي ذلك سبيلا.

حين كتب يوسف السباعي روايته “أرض النفاق” أصابتني مرارة في حلقي حين قرأتها، واتهمت الكاتب يومها بالمبالغة والسوداوية فقد ذهب بعيداً في وصفه للمجتمع بالانحلال و انعدام الأخلاق, فلم تكن ثمة بضاعة رائجة سوي النفاق كما يقول, صحيح أنه كان يتعرض للنظام الملكي في مصر, إلا أن نظرته هذه أثبتت صحتها اليوم بعد أن أصبح النفاق علناً و علي الهواء مباشرة , فكم من باطل توهم المصريين أنه حق,  حين وجدوا مثقفاً يتلفظ به , و سياسياً يدافع عنه و شيخاً يشرّع له, و إعلامياً يهلل له, يتنافسون فيما بينهم, مَن منهم سينافق الحاكم أكثر؟! من منهم سيرضي عنه الرئيس أسرع؟! الكل ينتظر الفرصة كي ينافق, فالبعض ينافق بقلبه و البعض الآخر بماله , حتي الضحية المسكين ينافق وهو لا يدري أن نفاقه لن يحميه من ظلم الحاكم,  فدوره قادم, طالما في موته حياة للديكتاتور و بقاءً لكرسيه. 

 كلنا رأى مشهد الطفل الذي لفظته الأمواج جثةً علي شاطئ المتوسط كي يصبح شاهداً علي عارنا و صمتنا, لا يعنيني ما إذا كان الطفل سورياً أم كردياً,  بالنهاية هو طفل و مكانه ليس جثة هامدة علي شاطئ غريب, الطبيعي أنه إما في سريره أو في غرفة الألعاب أو علي مقعد الدراسة, فأنا أمقت الانتقائية و التعاطف العنصري الذي يتعامل به البعض مع هذه الأحداث,  والذي عادةً ما ينتهي عند حدود الكلام, شجب و إدانة و عويل في مشهد كربلائي يدعو للشفقة رفعاً للعتب و إبراءً للذمة فقط, لا أظن أن هناك أحداً سيصوم شهراً كاملاً و يعتزل الناس لمجرد أن صورة الطفل لم تفارق مخيلته, ولا أعتقد أن هناك أحداً سيتبرع بنصف ماله لمجرد أن هناك أسرة تتضور جوعاً في بورما, أو أسرة تسكن العراء في غزة,  لأن الاحتلال دمر بيتها, ولا أعول علي أية ردود فعل إيجابية تجاه هذه الأحداث.

 فما الفرق بين من قضي تحت البراميل و بين من مات غرقاً ؟! بين من مات تحت وطأة التعذيب علي يد الحشد الشيعي، ومن قضي تحت التعذيب في سجون العسكر بمصر؟! بين ما يفعله أبوبكر البغدادي و تنظيم الدولة  أمام الكاميرات وما يفعله نظام  بشار و السيسي خلف الكاميرات؟! بين من مات خنقاً في عربة الترحيلات بمصر، و من مات خنقاً في الشاحنة بالنمسا ؟! ما الفرق بين من مات حرقاً في رابعة مصر، و من مات حرقاً علي يد الصهاينة بالضفة الغربية ؟!

 قالها يوماً “دينيس روس” الذي كان مبعوثًا خاصاً للسلام بالشرق الأوسط ” من حق الناخبين أن يختاروا من يشاءون، ومن حقنا أن نتعامل مع من نشاء فالانتخابات لا تصنع ديمقراطية، وليس علينا أن ندعم من يرفضون معتقداتنا” هذا كان تعليقه علي فوز حماس بانتخابات 2006, و بعدها مباشرة فرضت الرباعية “أمريكا و روسيا و الاتحاد الأوروبي و الأمم المتحدة” عقوبات علي السلطة الفلسطينية، وأوقفت المساعدات و فرضت إسرائيل قيودا علي حركة البضائع, كي تجبر السلطة علي التدخل والضغط على حماس,  كي تعترف بدولة الاحتلال و القبول بالاتفاقيات القائمة بينها و بين السلطة, لكن حماس رفضت كل ذلك إلى أن تم الحسم العسكري في قطاع غزة 2007 وسيطرت حماس على القطاع, بعدها تم توقيف العقوبات عن الضفة و دعم السلطة في حربها ضد حماس,  التي حازت ثقة الشعب بأغلبية ,, هل هناك نفاق في المواقف أكثر من ذلك؟!

 كلنا يعرف أن إسرائيل لا تخشى العقوبة, فهي تتكئ علي الفيتو الأمريكي, لكننا لم نكن نتخيل أن السلطة الفلسطينية ستصل إلى هذا القدر من الخسة و النفاق و العمالة التي وصلت إليها اليوم, بداية من تصريح “من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها” و “خطف الجنود تجاره خاسرة” مروراً بــ “المقاومة بطلت تنفع” و “التنسيق الأمني مع الاحتلال أمر مقدس” نهاية بالعمل الفني الذي يرمي إلى أن “المقاومة المسلحة ليست طريقنا”, وأننا لن نقاوم الاحتلال سوى ببعض حبات الزيتون الأخضر، والتفاح الأحمر، وما تيسر من أشجار الليمون الحامض, وما زال النفاق هو عنوان القضية الفلسطينية على كل الموائد الدولية حتي اليوم.

 حين تصبح المبادئ محض شعارات فارغة,  ورد المظالم نوعاً من الكفر و طلب الحرية خطيئة و ذنب, فليس ثمة جدوى في الحديث عن حقوق الإنسان و الأعراف الدولية؛ طالما مازلنا نختلف فيما بيننا على تعريف “الإنسان”؟! هل التعريف انتقائي يخضع للجغرافيا، والجنسية، والدين؛ أم أنه منصف يتعلق فقط بمفهوم الإنسانية دون استثناءات؟!  فما بين “استشعار القلق” الذي يعرب عنه دائماً بان غي مون, و “الشجب والإدانة و الاستنكار” الذي يلجأ إليهم المجتمع الدولي رفعاً للعتب و تحسيناً للصورة و غسيلاً للسمعة, ضاعت حقوق الشعوب المستكينة و أصبح النفاق أمراً مقدساً يتمتع بثقل إقليمي و دولي لم تحظ به موازين القوى ولا المواثيق الدولية, ولا أدري كم من الأرواح يجب أن تزهق كي ينتهي هذا المرض؟! كلنا متهمون, شعوباً و حكومات, كلنا ننافق وأنتم تدركون ذلك جيداً ولكنكم قوم تستهبلون.

أبو بكر مشالي
مدون ومهندس مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان