ممدوح المنير يكتب: معجزة الإصابة (5)

أصبت برصاصة في ميدان رابعة العدوية من قبل قناص من الجيش بالميدان وجاءتني الرصاصة من العمارات التي كانت في مواجهة المنصة لتخترق العمود الفقري. يتبع.

 

أصبت برصاصة في ميدان رابعة العدوية من قبل قناص من الجيش بالميدان، وجاءتني الرصاصة من العمارات التي كانت في مواجهة المنصة اخترقت ظهري قرب العمود الفقري وخرجت من كتفي الأيمن، وسقطت أرضا في الحال، ولما كان وصول سيارات الإسعاف مستحيلا في هذا الوقت، فقد حملني بعض المعتصمين وأنا شبه مغمى علي.

وتطوع أحد المعتصمين النبلاء “م . ر” بأن حملني على دراجته النارية، بينما يسندني نبيل آخر من الخلف حتى لا أسقط من عليها، وخرجنا من الميدان تحت وابل من الرصاص والنزيف لا يتوقف، وذهبنا إلى عدة مستشفيات رفضت استقبالي، ولم ترحمنا كمائن الجيش من إطلاق الرصاص، وكادوا أن يفتكوا بنا في أحد الكمائن.

وانقطعت بنا السبل فوقفنا على جانب الطريق إلى أن جاء الفرج من عند الله ببعض الأحبة الذين أعرفهم وشاهدوني على هذه الحال، فأوقفوا سيارة قبلت بالوقوف عندما علمت بإصابتي، وكان بها شابان فاضلان تطوعا بنقلي إلى المستشفى، ولكنهما فشلا أيضا، ومررنا بنحو عشرة كمائن بعضها لبلطجية، وتم تفتيش السيارة عدة مرات، وإنزال من بها للبحث عن مصابين؛ ولكن الله أعمى أبصارهم، برغم أن ملابسي كلها مضرجة بالدماء، بل حتى خلفية المقعد كانت كلها مغطاة بالدماء، وبحثوا خلفي وتحتي؛ ولكن الله أصابهم بالعمى، واندهش من معي من هذا الموقف.

ولما انقطعت بنا السبل ثانية قرر أخي الفاضل الحبيب “م . ع” ورفيقه نقلي إلى منزله؛ برغم عدم سابق معرفتهم بي، وبرغم المخاطرة الشديدة على حياتهم، ولكنها الرجولة حين يصاحبها إيمان صادق أحسبهما كذلك.

دخلت المنزل واستقبلتني الأم والطبيبة المحترمة في منزلها كأحد أبنائها، ورحبت بي أيما ترحيب، واستلقيت في سرير ابنها،  وتحول  لون المرتبة إلى الأحمر القاني، وصاحبني أخي الحبيب “م . ر” طيلة فترة وجودي معهم، وحرص مع أهل البيت الفضلاء على رعايتي.

وكان وقف النزيف هو الأكثر أهمية لدينا جميعا، وبدأ الجميع في اتصالات للبحث عن جراح يأتي إلينا، لكن الجميع قال إنه لا بد من حجرة عمليات حتى استطاعوا العثور على مستشفى خاص صغير أخذوني إليه، ووجدته ممتلئا بالمصابين، وتم التعامل مع الإصابة من دون مخدر، ولا حتى مسكنات من كثرة المصابين، وعدت لمنزل الأسرة الكريمة التي استضافتني بعد توقف النزيف نسبيا وتطهير الجرح.

معجزة الإصابة

ثم انتقلت في اليوم الثاني إلى مستشفى أكثر تجهيزا مع أخي الحبيب  (م.خ)، و (م .ع)، وهناك التقيت بوالديّ الغاليين، وبزوجتي الحبيبة للمرة الأولى منذ إصابتي وهي التي تحملت الكثير والكثير أثناء إصابتي، وكان لقاء لا ينسى معهم، بعدها قال لي الطبيب الجرّاح الذي أشرف على حالتي “أنا غير مصدق لما حدث معك، ما حدث معك معجزة إلهية بكل ما تعنيه الكلمة، المسار الذي اتخذته الرصاصة لا يمكن إلا أن يقتلك فورا بانفجار في القلب، أو الرئتين، أو شلل كلي نتيجة قرب الرصاصة الشديد من العمود الفقري”.

وأضاف -حسب ما تسعفني بهذه الذاكرة- أن “مسار الرصاصة العجيب هذا  لم ندرسه حتى في كلية الطب لقد كتب الله لك عمرا جديدا” .. المفروض أن تفرحني هذه الكلمات، وشكرت الله إذ نجاني، لكني -مع ذلك- شعرت أن ما لطف الله معي لا يعني سوى رسالة واحدة  موجزها مازال أمامك دور لخدمك دينك ووطنك وأمتك، هناك مهمة عليك إنجازها، وما زلت حتى الآن أشعر بهذه المسؤولية كأني قد أصبت بالأمس، ومازال عهدي مع الله ومعكم ألا أخون، ولا أبيع، وألا يرتاح  لي بال حتى أكون سببا ولو بسيطا في القصاص للشهداء، والذود عن هذا الدين والانتصار للمظلوم.

ظللت طول فترة إصابتي في بيت أحد مؤيدي الشرعية الأفاضل أنام على مرتبة رقيقة للغاية على البلاط  ما يقارب الشهر تأتيني أسرتي خفية؛ كي لا يعرف مكاني أحد لإحضار الطعام أو مداوتي ومؤانستي في وحدتي، ولم أكن استطيع إدخال حتى سرير صغير للمنزل حتى لا يلتفت أحد جيران صاحب البيت، وكان المنزل لم يسكن فيه أحد بعد.

وبعد تحسن صحتي نسبيا فتحت هاتفي فوجدت الاتصالات تأتيني من القنوات، والصحف للتعليق على الأحداث التي لم أحضرها بعد الفض  لظروف الإصابة، ونصحني الجميع بعدم الرد حتى لا يتم تحديد مكاني، وأعتقل وأنا مصاب فيكون البلاء مضاعفا.

السفر خارج مصر

ثم نصحني إخواني وأحبتي بالسفر خارج مصر لاستكمال العلاج وأداء رسالتي السياسية والإعلامية من الخارج؛ فحالتي الصحية لم تكن تسمح بالمشاركة في التظاهرات وقتها، ولا حتى الحركة الطبيعية.

واستخرت الله وبدأ بعض الأحبة في مساعدتي على الخروج، حتى يسرّ الله لي أمر الخروج وكان وقتا عصيبا لأني خرجت بشكل طبيعي من المطار، مع احتمال اعتقالي أثناء السفر، لكنّ الله سلّم حتى خرجت.

ربما بعد سفري لم أجد الحراك في الخارج كما كنت أتوقع  من الهمة والحيوية والنشاط  كما كان يحدث في مصر، و ربما حزنت و تألمت أكثر على عدم قدرتي على العودة، لكني مطمئن بنصر الله، وأحمد الله على كل حال، فما أنا فيه من لطف الله وستره نعمة لا يوفيها الشكر بلا انقطاع.

لكن في النهاية أشعر أن هذه ليست  حياتي التي أريدها لنفسي، إننا في هذه الدنيا لفترة وجيزة لأداء رسالة نبيلة، يعقبها إن رضي الله عنّا راحة أبدية ونعيم  لا ينقطع إن شاء الله، أشعر في غربتي بغربة مضاعفة فقد تعودت أن أكون في الميدان الحقيقي أتعب وأنصب، أدعو الله أن يغفر لي تقصيري وخطأي، وأن يرزقني شهادة في سبيله لا حزن بعدها ولا ألم، إن الحياة عقيدة وجهاد.

ممدوح المنير
كاتب ومحلل سياسي مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان