حالة الكسل الذهني التي يعيشها البعض اليوم , تجعله يلجأ لهذه العبارة كأداة دفاع تعصمه من مواصلة التساؤل والنقاش فينهي حديثه بقول “كفاية فلسفة فارغة”. يتبع

حالة الكسل الذهني التي يعيشها البعض اليوم , تجعله يلجأ لهذه العبارة كأداة دفاع تعصمه من مواصلة التساؤل والنقاش فينهي حديثه بقول “كفاية فلسفة فارغة” لكن الفلسفة ما كانت وما يجب لها أن تكون فارغة, الفلسفة هي التي تستفز عقلك فتحرضك علي التفكير, تدفعك لتحليل كل ما يأتيك من معلومات أو نظريات كي تكتشف حقيقتها أو زيفها, هي الحافز الذي يأخذ بيدك إلي التأمل في كل ما هو سائد وشائع كي تتيقن منه بالحُجَة و تستبين منه بالعقل لا بما اجتمع عليه الناس, إنها ملازمة للإنسان الواعي لأجل أن يعاود البحث و التساؤل و الدهشة, الفلسفة ضرورية لبنية عقلك الذي لا يجب أن يكون فارغاً, بل يجدر به أن يكون حكيماً.
ثمة فارق كبير بين “الفلسفة و السفسطة” فإن كانت الأولي ضرورية لبنية العقل فالثانية مضيعة للوقت و تلاعب بالعقل لأنها عادة ما تنتهي بصاحبها إلي نتائج مخالفة للمنطق و التصور العقلاني, لأنها تستند إلي معلومات مجردة دون البحث فيما وراء هذه المعلومات , حتي و إن كان البعض ينظر للسفسطة علي أنها مذهب فلسفي إلا أن أغلب الفلاسفة عانوا منها , لم يستفد منها سوي ديكارت لأنه عالم رياضيات والسفسطة توسع دائرة الاحتمالات التي عادة ما يعتمد عليها علم الرياضيات.
“محمد إقبال” الفيلسوف المسلم الذي رحل سريعاً
عرفه الناس شاعراً أكثر من كونه فيلسوفاً و مفكراً اسلامياً لكنه لم يكن يعبأ لهذه المسميات, مضي في طريقه الواضح المعالم, التي جمع فيها بين معالم الحضارة الغربية فقد سافر إلى إيطاليا و إسبانيا و درس العلوم في لندن و ألمانيا و حذّر الغرب قائلاً “يا أهل الغرب إن أرض الله ليست دار تجارة، ولسوف تنتحر حضارتكم بخنجرها, لأنها كالعش الذي بني على غصن ضعيف لا قوة له” حاول الغرب استمالته بعد أن ذاع صيته و أصبح الشخصية الإسلامية الأبرز عالمياً حيث أغروه بالمناصب لكنه تعالي عن كل هذه المنافع و الشهوات.
ثمة فارق كبير بين “الفلسفة و السفسطة” فإن كانت الأولي ضرورية لبنية العقل فالثانية مضيعة للوقت و تلاعب بالعقل لأنها عادة ما تنتهي بصاحبها إلي نتائج مخالفة للمنطق
درس تعاليم الاسلام بعد أن نهل من القرآن و معانيه و انشغل بقضايا المسلمين فهو الذي قال يوماً “إنَّني لستُ خائفًا من أعداء الإسلام قدرَ ما أخافُ على المسلمين من أنفسهم”, تمني أن يكون للمسلمين وطن خاص بهم فتحققت أمنيته بعد وفاته بتسع سنوات حيث قامت دولة باكستان المسلمة 1947, كان مهتماً بقضية فلسطين رغم أنه رحل قبل تقسيمها بعشر سنوات حيث زارها عام 1931 وكتب فيها شعراً يقطر حرقة و دماً عن أرض المقدسات, لم يتوقف عند ذلك بل تأثر بنشأته و بيئته فكان لجغرافيا الهند أثراً في شخصيته.
ربما هذا التنوع الغريب هو الذي أثري حياة اقبال و شكَّل بنية عقله التي جعلت منه فيلسوفاً و مفكراً و سياسياً و شاعراً و صوفياً , فما إن تقرأ شعره إلا و تشعر أنك تكبر حتى تكاد الغرفة لا تسعك , شيء ما يتمدد في صدرك وأنت تقرأ كتبه, تشعر أنك تختنق لوهلة ثم تتنفس بذهول و يتسع المدي و الفكرة و تتجاوز نفسك, ربما لا يعرف البعض أن قصيدة “حديث الروح” التي تغنت بها أم كلثوم هي من تأليفه.
كان اقبال صوفي النزعة فالتصوف لم يكن يوماً فعلاً ذميماً كما يتصوره البعض, بل هو احتياج نفسي شبيه بالرغبة في التطهير أو التفكر في آية قرآنية أو الاستماع لمعزوفة أصيلة أو مجرد الجلوس على عتبة مسجد أو كنيسة، رغبة عميقة في النفس البشرية إلى الغفران والنسيان والبدء من جديد، تسيطر علينا أحياناً، ونسيطر عليها أحياناً أخري, الأمر يتعلق بمدى وعينا الوجودي أولاً ومدى رغبتنا في الكمال أو التسامي.
أليست الحياة منحة الأحياء ؟
إذاً فكل حركة وسكنة وفكرة وخطوة ونجاح وفشل وخطأ وصواب فيها هو صلاة و تعبّد، كل ضلال هو نور، وكل ضياع طريق، أليس العيش وحده عمل كائد ومناكفة صعبة ونضال متواصل وصبر شديد؟! أليس كل ما نفعله هنا نفعله لنعيش ونبقى ونستمر حتى يأتينا الموت ؟ نحن لسنا هنا لنبحث عن الله ولا لنجده، فهو موجود من قبلنا وسيبقى خالداً بعدنا، إننا موجودون هنا لنثبت له أننا نستحق هذه التجربة، نستحق هذه الحياة التي منحنا الله اياها, فالهدف من الحياة لابد أن يتجاوز هذه الحياة.
أبوبكر حمدي مشالي
مهندس و مدون مصري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
