مهمتى ليست فى الطبخ والمسح وغسيل الأوانى..ومهمتى أيضا ليست فى السعى على الرزق لكى أساعدك..مهمتى ليست فى إعداد العشاء لأبنائنا الذين تجاوزوا سن الخامسة عشر. يتبع
هذا ما قذفه في وجهها عندما عاد إلى المنزل. تهللت أساريرها في البداية مستبشرة بعودته؛ لكن فرحتها برؤيته لم تكتمل؛ بل تحولت إلى سخط وألم حيث دار بينهما الحوار التالي بعد جملته البريئة كما ادعى:
-خدامين!
أهذا ما جاد به قلبك بعد غياب عنى طوال اليوم وعناء وإرهاق عانيته في المنزل بين الصحون والأبناء والتنظيف والمذاكرة، ناهيك عن القيام بإعدادي لطعام الأسبوع حتى تجدون ما تأكلونه لأن ضغطي في العمل لا يسمح لي بأن أطهو الطعام كل يوم، فأنا بشر ولى طاقة.
-عموما سلمت يداك، لكن المرأة الذكية هي التي توازن بين هذا وذاك فهندامك غير مرتب كما عهدتك.
-إذن أنت تعترف أن هندامي اليومي لا غبار عليه، وما أنا فيه الآن هو استثناء وليس قاعدة. لماذا إذن لا أسمع كلمة شكر أو إعجاب عندما أتزين لك كملكة سبأ؟!
-الإجابة معروفة يا عزيزتي، لأن الطبيعي هو أن تكوني في أبهى حلة عندما أعود للمنزل.
-ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة بسبب غصة في حلقها شعرت أنها ستقضى عليها، نظرت له نظرة غضب ثم همت بأن ترد عليه؛ لكنها آثرت الصمت لأنها لم تعد تحتمل بسبب إرهاقها مع الأبناء طوال اليوم ولأن الكلام لم يعد يجدى.
في اليوم التالي عاد إلى المنزل فوجدها متزينة له كعادتها أو يزيد؛ لكنه دخل إلى المطبخ فوجد الأطباق وقد تراكمت بعضها فوق بعض. انتصف الليل وهى لا تزال تذاكر لابنها شعرت بالإرهاق فارتمت فوق سريرها دون أن يشعر أنها غير موجودة في نفس مكانها إلا بعد مرور ساعتين تقريبا، دخل إليها متحفزا كانت تحاول جاهدة أن تغمض عينيها لكن دون جدوى فالإرهاق قد بلغ منها مبلغًا شديدًا، وقف بجوار باب الغرفة محدثا إياها:
-لماذا لم يتناول الأبناء العشاء حتى الآن، لماذا لم يخلدون للنوم؟
نظرت إليه والدهشة تأكلها ثم قالت: وأنت أين كنت؟
-ماذا تعنين
-أعني أنك جالس أمام جهازك منذ أربعة ساعات واضعا رأسك بداخله منكبا عليه وكأنهم سيقومون باختبارك فيما شاهدت. تراني أستذكر لهذا وأسكت ذاك، وأعد طعام الغذاء وأحمل الطعام وأغسل الأطباق ثم تطلب منى كوبا من الشاي وتعترض إن لم تجد الحلوى بجواره …ثم…
-ثم ماذا؟ يكفى أن الاطباق لم تغسل منذ طعام العشاء بالأمس، يكفى رائحة المطبخ، لا أصدق أنى لا أجد كوبا لأشرب فيه.
-أحب أن أذكرك بشئ هام…أنا زوجة ولست خادمة
-ما هذا الكلام العجيب.. تلك مهمتك كزوجة وأم.
-مهمتي ليست في الطبخ والمسح وغسيل الأواني، ومهمتي أيضا ليست في السعي على الرزق لكى أساعدك.. مهمتي ليست في إعداد العشاء لأبنائنا الذين تجاوزوا سن الخامسة عشر؛ ورغم ذلك أقوم بها وأنا سعيدة ولا أتململ. أنهي تلالا من الواجبات اليومية في المنزل، ومع الأبناء حتى أكاد أسقط مغشيا على في نهاية اليوم. أحاول جاهدة إسعادك. أتزين لك يوميا فلا تراني . أرتب الغرفة وأنير الشموع، وأعد جلسة رومانسية فتمسك بهذا الملعون معرضا عنى متحججا بأعمالك التي لا تنتهى، أو بأحداث العالم المحترق التي كرهتها وكرهت الاطلاع عليها بسببك. لاترى الجميل وإن رأته عيناك لا تعلق ولا تنبس حتى بكلمة شكر أو حب أو إعجاب. لا تراني إلا وهندامي مترهلا ولا تلحظ الأواني إلا وهى متسخة ولا ترى أبناءك إلا وهم جائعون.
بل هل تعلم شيئا عنى أنا؟ ماذا أحب؟ ما هو لونى المفضل؟ ماذا أفضل من أكلات أو هدايا؟ هل أفضل الروايات الرومانسية أم الاجتماعية؟ هل أحب حقا أفلام الرعب وبرامج التوك شوز التي تجبرني على مشاهدتها؟ هل أحب أنواع الفاكهة التي تغرق بها المنزل أسبوعيا؟ متى كانت آخر مرة جلسنا نتحاور فيها سويا؟ أخبرنى بالله أين أوقاتنا؟ أين حبنا ومشاعرنا التي جمعتنا؟ أين حديثك عن المشاركة والاهتمام؟ أين وعودك التي أصبحت سرابًا يحسبه الظمآن ماء؟ بل أين أنت؟ أين أنت منى، ومن قلبي ومن حياتي؟
لا تعلق إلا على القبيح ولا يأخذ عينيك إلا كل شيء متسخ، سئمت تلك الحياة السخيفة التي لا أعلم دوري فيها على وجه التحديد ..هل أنا أم وزوجه، أم أنني خادمة وسائق ومعلم خصوصي وطباخ ماهر وطبيب يسهر بالدواء والحقن وسباك ونجار إذا استلزم الأمر؟ أخبرنى بالله ما هي مهمتي.
لماذا لا تنفعل هكذا عندما تلحظ تغيرا في سلوك أبنائك؟
هل تعلم ما هي هواية كل منهم؟
هل تعلم من هم أصدقاؤهم؟
هل تعلم كيف هي صلاتهم وقرآنهم؟
هل تعلم ماذا يحبون وممّ يخافون وماذا يبغضون؟
أرجو أن تراجع أولوياتك ، قيمني فقط كزوجة وأم، وإن وجدت خللا في مهمتي الأساسية فلنجلس سويا لنتحدث.
-أنت منفعلة اليوم ولست على عادتك، سأتركك لنتحدث في يوم آخر.
-لا تعلم حقا لماذا؟
لأنني صبرت كثيرا فكان الصمت خير دواء لتصل السفينة إلى شطآن الأمان، وفى كل مرة أُمنّى نفسى بأنك ستراني؛ لكن جميع محاولاتي قد باءت بالفشل ولا أعلم حقا أين السبيل.
عادت الكاميرا لتحلق فوق المشهد الرئيسي. مشهدها مع صديقتها المقربة التي ذهبت إليها حائرة لترتمي بين ذراعيها علها تجد لديها ما يخلصها
-لقد تعبت ولا أعلم أين الخلاص؟
-أقدر ما تقولين يا حبيبتي وأشعر بك
ارتمت في أحضانها. بكت كثيرا؛ وكأنها لم تبك من قبل. ضمتها صديقتها في رفق. ربتت على كتفيها وهمست لها في أذنها:
-أنت متعبة ومحملة بكم كبير من الضغوط .. سأتركك حتى تستريحي قليلا.
-بل ابق معي .. أنا في حاجة شديدة إليك.. أخاف أن أكرهه. لم يعد يشعر بي. يعاملني؛ وكأنى إنسان آلي ليس لديه مشاعر .. يحملني فوق طاقتي، ولا يقدر ما أقوم به لأجل زواجنا ولا حتى لأجل أبنائنا.
-حسنا يا حبيبتي ..هوني عليك.. لا أحب أن أراك هكذا.. كل شيء قابل للإصلاح بإذن الله.
-كيف. كيف وهو لا يرى؟
-هل تركت له مجالا حتى يرى؟
-ماذا تعنين؟
-أعني هل قمت بشرح ما يعن لك أولا بأول ..هل علمتيه ما الذى تحبينه.. ومن أي شيء تنفرين .. هل طلبت مساعدته بفرق ولين ؟
-أصدقك القول ..ليس في كل مرة .. فأنا أصبر وأصبر وأصبر حتى أنفجر فيه كالبركان
-إذن فلنتعلم ..ونعلمه
-نعم؛ لكنه لا يعير مشاعري أي انتباه.. لا يغازلني ..لا يثني على، وإن تخاصمنا وهو المخطئ كنت أنا دوما التي أبدأ في تدليله، حتى مللت دورا أمارسه منذ عدة سنوات. أشعر وكأنى رجل وامرأة فى وقت واحد.. أعمل خارج المنزل وداخله مع الأبناء ومسؤليات البيت التى لا تنتهى وفى علاقتنا أقوم بتمثيل دور الرجل فى المبادرة والحب والتدليل .. هل تعلمين، لقد بدأت أشك فى أنوثتى!
-أعتقد أنه يحتاج إلى المزيد من المصارحة والتعلم
-كيف؟
-حبيبتى، لا أحد سيفهم ما يدور برأسك إلا إذا تحدثت عنه ..عليك أن تصارحيه بمعاناتك اليومية .. أخبريه بأنه الوحيد الذى سيشعر بألمك وإرهاقك، وأنه الوحيد القادر على التخفيف من ضغوط يومك. أخبريه بأنه الزوج والحبيب والرفيق و أنك تحتاجين إلى حبه وسنده ودعمه الدائم.
-هذه الأشياء لا تطلب. هناك بعض الأشياء التى يجب أن يشعر بها الآخر دونما كلام أو حديث.
-وإن لم تطلب تلك الأشياء فما الذى سيطلب؟
-أكبر خطأ تعلمناه فى مجتمعنا أنه سيرى وسيشعر. كيف سيرى إن كنت تحجبين عنه الضوء؟ كيف سيشعر بنبضات قلبك إن لم تسمعيها له؟.
حبيبتى، لا تحاولى التغافل عن الاختلاف بيننا كأشخاص. فما بالك باختلاف الجنسين.
إذا ما أردت حقا أن يرى، يشعر، يقدر، يتعاون؛ وجب عليك حتما تعليمه. والتعليم لن يتأتى بتوبيخ ولوم، أو عتاب ونقد. فأى شخص ستقومين بنقده ومهاجمته سيتوجه فورا إلى درعه كى يحملها فى وجهك، ودرعه هو لسانه؛ لأنك من استخدمت نفس السلاح منذ البداية.
صارحى زوجك يا عزيزتى. أفهميه برفق. أخبريه أنك تقدرين ما يقوم به لأجلك ولأجل أبنائكم؛ لكنك تحتاجين منه بعض الاهتمام والرعاية وإظهار بعض مشاعر الحب. حاولى أن تغلفى وجهة نظرك بغلاف الحب وليس بغلاف الغضب. أن تتحينى الوقت المناسب لتعبرى له عما يجيش بصدرك. وإياك ثم إياك أن تحدثك نفسك بأنه سيخمن وسيفهم ما تريدين دون أدنى مصارحة منك. فتلك مجازفة ليست فى محلها .
وفى النهاية لا تنسي أنه يحبك؛ لكنه فقط لم يتعلم كيف يعبر عن حبه بطريقة ترضيك. لا تكونى له موجها وموبخا كطفل صغير يتلقى عقابا بسبب ذنب لا يفهمه. بل كونى حبيبة، صديقة، وزوجة، ودودة تروى زهرتها بفطنة وتفاهم وحب لا ينقطع.
فاطمة المهدي
استشارية وتربوية مصرية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها