إذا كنت ممن قدر لهم الترحال بعيدا عن أوطانهم فهناك أمور عليك التأقلم معها وعدم محاولة التغير فيها أو الثورة عليها لأن مساعيك في أغلب الأحيان ستبوء بالفشل. يتبع
![]() |
| حكمت عمر / مدونة مصرية |
إذا كنت ممن قدر لهم الترحال بعيدا عن أوطانهم فهناك عدة أمور عليك التأقلم معها وعدم محاولة التغيير فيها، أو الثورة عليها لأن مساعيك في أغلب الأحيان ستبوء بالفشل.
أولاً: عليك أن تدع عنك القلق المستمر على أهلك وأحبابك في موطنك، لأنه بالتأكيد أحدهم مريض، ولن يخبروك إلا بعد أن يتعافى أو يموت.
ولماذا يخبروك وأنت في سفرك وحيدًا هكذا سيقولون لك ومهما حاولت أن تشرح لهم ،أن مثل تلك الأمور تزيد من آلامك في الغربة فلن يستجيبوا لك وسيظل هذا عهدهم بك وستسقط أنت فريسة للهاجس اللعين
ولماذا يخبروك وأنت في سفرك وحيدًا هكذا. سيقولون لك ومهما حاولت أن تشرح لهم، أن مثل تلك الأمور تزيد من آلامك في الغربة فلن يستجيبوا لك وسيظل هذا عهدهم بك، وستسقط أنت فريسة للهاجس اللعين “ياترى من مريض ومش قايلين”.
ثانياً : إذا كنت تركت أولادك في مصر لأن ظروف سفرك لا تسمح لك أن تأتى بهم معك ؛ فيجب أن تتقبل فكرة أنك بالنسبة لهم حفنة أموال، وفى أحسن الأحوال صديقهم الإلكتروني المحبب مهما أوهمت نفسك أنك تعرف عنهم كل شيء، وأنك أقرب إليهم من نفسهم فبداخلك يقين أن هذا غير صحيح، وأن هناك ما يخفونه عنك وإلا عليك الإجابة عن السؤال التالي: ماذا لو انقطع الإنترنت وأغلقت الهواتف.. من أين لك بأخبارهم؟ وما الذي سيتغير في مسار حياتهم بانقطاعهم عنك؟
أما إذا كنت من سعداء الحظ الذين أتاحت لهم الظروف أن يستقدموا أولادهم فلا تحسب نفسك بمفازة من عذاب الاغتراب .. فقط عليك أن تشاهد أبناءك وهم لا يعرفون أقرب الناس إليك، وأن تسمع توسلات أمك عبر الهاتف تريد أن تحادث الصغير بينما هو يلهو بلعبتة لا يعرف من هي؟ ولا ماذا تريد منه ؟! حتى لو حادثها فهو في الأصل يريد أن يلهو بالهاتف لم يدرك بعد دفء حضنها ولا هي ستأتى له بالحلوى المحببة.
في ذات مرة تحدثت مع صديقة لى عن هذا الأمر وقلت لها إن أمر ما ألاقي من ألم الغربة، هو أن يكبر أبنائي لا يعرفون إخوتي ولا يربطهم بوطنهم حنين الأهل والأحباب
في ذات مرة تحدثت مع صديقة لى عن هذا الامر وقلت لها: إن أصعب ما ألاقي من ألم الغربه ،هو أن يكبر أبنائي لا يعرفون إخوتي، ولا يربطهم بوطنهم حنين الأهل والأحباب.
فردت قائلة أني أهوّل من الأمر، وأنه أبسط من ذلك، واستدللت بابنها الذى يتكلم مع جدته كل يوم ويحبها ويلهو معها عبر الكاميرا.
ودارت الأيام وجاءت أمها إليهم في زيارة قصيرة، وكانت الحقيقة الصادمة فتحت ذراعيها لحفيدها فولى هارباً منها .. لا يعرفها.
من هذه التي تريد أن تحتضني لم يتقبل الصغير ابن العامين ونصف العام، أو لم يدرك كيف خرجت صديقتة من الشاشة وتجسدت أمامه؟ استغرق الأمر أسبوعين تقريبا حتى اعتاد الولد على وجود جدته وبدأ في الانسجام معها.
استغرق الأمر أسبوعين تقريبا حتى اعتاد الولد على وجود جدته وبدأ في الانسجام معها.
هذه هي الحقيقة أبناؤك لن يعرفوا أهلك, لن يدركوا معنى لمة العائلة بعد صلاة الجمعة، ولا مناكفات ولاد العم ولا حواديت الخالة.
إذن قبلت بالأمور السابقة فهناك أمر أخير عليك الاستسلام له كي تتقن هذا الفن المقيت.. وهو أن تعتاد سماع الكلمة الشهيرة ” ياعم أنت برة مش حاسس بحاجة” من أصحابك كلما هممت أن تنتقد وضع البلد السياسي أو الاقتصادى أو الاجتماعي.
وكأن من خارج الوطن قد أسقطت عنهم جنسيتهم وانتمائهم لوطنهم كعقاب لهم على سعيهم وارء لقمة العيش!
لا تحاول أن تبحث عن إجابات للأسئلة من نوعية لماذ لا يحق لي أن أتحدث عن بلدي وعن أي بلد اتحدث إذن ومن الذى أعطاكم الحق أن تسلبوا مني قطعة من روحي لمجرد أن خرجت أبحث عن عيش كريم!
ليس من حق أي فرد أن يصدر علينا نحن المغتربين حكم بالصمت المطلق تجاه قضايا وطننا الحبيب حتى لو كنا كما يظنون خطأ نلهو في بحر من الدولارات ولا نعاني من أي مشاكل مادية او إجتماعية ..
ليس من حق أي فرد أن يصدر علينا نحن المغتربين حكم بالصمت المطلق تجاه قضايا وطننا الحبيب حتى لو كنا كما يظنون خطأ نلهو في بحر من الدولارات ولا نعاني من أي مشاكل مادية او اجتماعية .. فالوطن قطعة من القلب تتشبث فيها الروح نشقى لشقائه ونسعد بنصره وصدق الشاعر حين قال ” بلادي وإن جارت على عزيزة”.
إذا كان لديك الصبر الكاف للتعامل مع الأمور السابق ذكرها فيمكنك أن تقول إنك تملك فن التعايش مع الغربة، أو تحديدا أصبحت تملك أكذوبة التعايش مع الغربة.
حكمت عمر
مدونة مصرية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

