هاجر غطاس تكتب: العالم الافتراضي بين الواقع والمواقع

في كل مرة يتناول فيها الإعلام مصطلح “العالم الافتراضي” اجد تعريفا جديدا ومختلفا في طيات حديثهم، لذا توجهت إلى محركات البحث لأجد نفسي بين عشرات التعريفات. يتبع

 

أيهما افتراضي، العالم الذي نعيش فيه أم العالم الذي نهرب لنحيا به؟ في كل مرة يتناول فيها الإعلام مصطلح “العالم الافتراضي” أجد تعريفا جديدا ومختلفا في طيات حديثهم، لذا توجهت إلى محركات البحث لأجد نفسي بين عشرات التعريفات، فكل منهم له تعريفه الخاص. منهم من يرى أن “العالم الافتراضي” ما هو إلا عالم خيالي يحدد فيه الشخص أدواته التي يتعامل بها فهو كالعالم الذي يصنعه الأديب والشاعر في بعض أعماله وهو بعيد عن الواقع. ومنهم من يرى أنها “حياة ثانية”. إذن فلكل منهم مفهومه ونظرته الخاصة، ولكن تجمعهم نقطة واحدة وهي أن العالم الافتراضي ما هو إلا طيف للواقع يلازمه لكنه لا يزيد عن كونه خيالا له.

كل منهم اهتم بأن يعطي تعريفا للعالم الافتراضي ولم يفكر أحد منهم أن يقدم لنا تعريفا للعالم الواقعي الذي نعيشه اعتقادا منهم أنه واضح ومعروف دون الالتفات إلى ما نراه نحن. لذا قررت أن أضع تعريفا للعالم الذي يناسبني ويناسب أبناء جيلي ثم نرى هل ينطبق هذا التعريف على العالم الحقيقي أم الافتراضي، هل ما نقوم به هنا هو فعلا افتراضي أم انهم هم من يعيشون حياة افتراضية لا معنى لها؟

العالم الذي يناسبني عالم لا يسمح لمن يتعدى حدوده بالإفلات بفعلته وتكرارها، فعندما يجد مذيعة او مذيعا يتعدى كل الحدود المهنية والإنسانية والأخلاقية لا يفتأ أن يعاقبه وينزله منزل فعلته ليُعرف بسوء السمعة ويعاقب على ما فعل لكنه لا يسجن. عالم لا سجن فيه، عالم “حر”

العالم الذي يناسبني هو العالم الذي تعبر فيه عن رأيك بكل حريه فتجد من يوافقك الرأي ومن يختلف معك، لتتناقشوا حتى وإن لم ينته بكم الحال بإقناع أحدكم الآخر. عالم أرى من نوافذه المتعددة تجارب وخبرات الدول الأخرى ولا ننفصل فيه عن العالم من حولنا فنتابع مجريات الأمور حول العالم حتى نستطيع أن نحدد أين نحن مما يحدث وأين نحن في خارطة العالم التي ترسم كل يوم، هل نحن موجودون أم لا؟ العالم الذي يناسبني لا خبراء استراتيجيين فيه، فالكل يقرأ ويبحث ليتعلم ويعبر عنه في كلمات يصيغها ليحيط قراءه بها علما.

العالم الذي يناسبني عالم لا يسمح لمن يتعدى حدوده بالإفلات بفعلته وتكرارها، فعندما يجد مذيعة او مذيعا يتعدى كل الحدود المهنية والإنسانية والأخلاقية لا يفتأ أن يعاقبه وينزله منزل فعلته ليُعرف بسوء السمعة ويعاقب على ما فعل لكنه لا يسجن. عالم لا سجن فيه، عالم “حر” .

العالم الذي يناسبني عالم نتشارك فيه حمل مشاكل بلدنا على أعناقنا والأهم هو أننا نعترف بوجودية هذه المشاكل ونصرخ بملء فينا “احنا بمستنقع، نريد حلولا لا شعارات”. عالم نرجع فيه الأمور لمن له علم بها، فبالعلم نحيا لا بالفتونة والفهلوة. باختصار العالم الذي يناسبني عالم لا خوف فيه سوى الخوف عليه والانتماء إليه ومسؤوليته تصبح حملا فوق كل الأعناق.

أصبح جلياً الآن على أي عالم ينطبق هذا التعريف، ينطبق على ما يطلقون عليه “العالم الافتراضي”. فلنلق نظره الآن على الواقع الذي يقيمون عليه وفيه، ونعيش فيه أجسادا مقهورة وأرواحا غاضبة ومقيدة. عالم يروننا فيه أشباحا لا رأي لها ولا دور منتظر منها سوى الصمت والانصياع للأوامر. واقع يعتقل فيه من يجلس على مقهى متلبسا بالجرم المشهود “تعاطي الحديث وتبادل الافكار”.

أما عن الاعتراض فينزلوه منزلة الخيانة العظمى. لا حاجة لك لمعرفة ما يحدث بالعالم من حولك لذا لن تجد في هذا الواقع من يحدثك في وسائل الإعلام مثلا  عما يحدث في سيناء، فما بالك بموقفهم من حقك في معرفة ما يحدث في الدول الاخرى وكأننا نحيا  بلا عقول. واقع مليء بمن يفهمون مالا نفهمه فهم خبراء ونحن جهلاء. نحن رواد في كل شيء ومميزون عن بني البشر، نحن وفقط من نبدع ونبرع ومن ثم يضحك علينا العالم كله من شدة بؤسنا.

هذا هو الواقع الذي تجد فيه برنامجا يسمى “السادة المحترمون” ويجمع بين الحسيني وعكاشة! هذا هو الواقع الذي تجد فيه برلمانا يعبر عن الحكومة. هذا هو الواقع الذي يعتقل فيه بني آدم فقط لأنه سخر من الذات “المقدسة” في صورة في هذا العالم الافتراضي الذي لا قيمة له. هذا هو الواقع الذي تخرج علينا فيه المذيعات ويقدمن برامجهن من لا مؤاخذة البانيوهات.

في هذا الواقع أنت مؤهل للسيطرة على كافة المجالات في نفس الوقت، الاقتصاد والتجارة والصناعة والهندسة والإعمار والزراعة ما دمت عسكريا. هذا هو الواقع الذي يرمى فيه الأطفال في القمامة ويفرط فيه في حق الجميع وفي أمنهم القومي فلا نشعر بالانتماء لهذا الواقع ولا حتى نشعر بوجودنا فيه .

بالطبع لا أدافع عن العالم الافتراضي وأنحاز له على الواقع ولكن أصف حقيقة وواقعا علينا أن نعترف به. فقبل أن تستهزأ بمن يجد في “العالم الافتراضي” أرضا خصبة ليعبر عن رأيه ويتواصل مع غيره ممن حجّمهم النظام مع أن لهم الأولوية لأنهم الاكثر تأهيلا لشغل المناصب الفعالة. عليك أن تسأل من المذنب، من الذي تسبب في هذا الانصراف إلى مواقع التواصل الاجتماعي ولا تندهش إذا انتهى بك الحال وأنت تتهم نفسك بأنك أحد الأسباب.

والسؤال الآن هل سيظل الحال على ما هو عليه ليظل العالم الافتراضي هو الملجأ للجميع، هل سيظلون في عالمهم الخاص الذي لا ينتهي سوى بكشف الحجم الحقيقي للكارثة بالعلم بتفاصيلها والنقاش حول كيفية حلها وفقط، فحدود هذا العالم تقف عند المعرفة والنقاش وربما إيجاد الحلول ولكن الخطوات الفعلية بيد من دمر الواقع وقمع الجميع ولم يترك لهم الاختيار، فقط اصمتوا وعيشوا أذلاء وإن لم يعجبكم الأمر فانصرفوا واتركوها!

هاجر غطاس
مدونة فلسطينية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان