داليا الحديدي تكتب : الإيمان الحر

بفيروزيات الصباح، تستفتح أسرتي يومها، و صورة جارة القمر تتوسط جُبران، العقاد، بيتهوفن، البوطي، غوته، عدنان إبراهيم و ابن خلدون، مُعَلقين بجدران حديقة الدار.يتبع

  داليا الحديدي / مدونة مصرية

بفيروزيات الصباح، تستفتح أسرتي يومها، و صورة جارة القمر تتوسط جُبران، العقاد، بيتهوفن، البوطي، غوته، عدنان إبراهيم و ابن خلدون، مُعَلقين بجدران حديقة الدار.

سألت يوماً صغيرتي: أتحبين فيروز؟
أجابت: أمسلمة؟
فأخبرتها بمسيحيتها، فأنكرت
 :أردتها مسلمة، تحب الله و تصلي.
فقلت:هي مسيحية، تحب الله ، و تصلي.

 
أدهشني أن ذات الست سنوات المتعلقة بالصوت الملائكي، أرادتها تشبهها عقائدياً و رهنت إعلانها لمحبتها بتماثلها مع معتقدها، بل نَحتْ إعلانها بالإفتنان بها ريثما تطمئن لإتساقها معها في الأهم.
إستوطتنتني لأيام معضلة تأثرنا بمن يماثلنا، فإنسياقنا وراء الموضة يشهد على انقيادنا لا شعورياً لنَسق مَرضي عنه مجتمعياً في الملبس حتي لا نشعر باختلافنا عن القطيع.

 
و قد أشار لهذا المغزى “سولومون اش” في تجربته لدراسة ما يمكنُ تسميتُه ب ” المسايرة الإجتماعية”.
التجربة بحثت تأثير التوافقية على الفرد، فقد قام سولومون بعرض رسمة أمام أشخاص بحضور ممثلين متفق معهم مسبقاً على الإجماع على إجابة خاطئة.

 
و كان جلياً أن رقم “1”  هو الخيار الصحيح، لكن ثلاثة أرباع من أجريت عليهم التجربة انتخبوا إجابات صحيحة بدايةً، ثم، ما لبثوا باستبدالها بالخاطئة لتوائم الاختيارات المضللة لمعاوني “سولومون”، فيما تمسك الربع فقط بخياراتهم الصحيحة متغلبين على ضغوط “سولومون ” ما دلل أن العقلية الجمعية تجرفنا نحو خيارات خاطئة، لكننا نهاب كسر السائد خشية الاغتراب في محيطنا، فنقنع أنفسنا بالباطل مخافة إنزال عقوبة العزلة الاجتماعية علينا.

 
و يذكر الدكتور عدنان ابراهيم  بإحدى خطبه أن الهلع من أن ننعت بالغباء الفردي يقودنا لتبني الباطل و طمس الحق كما أن الانقياد للأكثرية يدفعنا لإعادة ترتيب رؤيتنا بما يتوافق مع إتجاهاتها، فنمشي في ركابها و لو ضُلِلنا و ربما ألبسنا هذا الضلال مسوح الحكمة للبقاء في حظيرة الجمهور. فعقلية القطيع كما ذكر في الخطبة، تدفع الفرد لتبني خيارات بديهياً خاطئة بل تزين له التعامي مضحياً بالحق لكسب “لايكات ” الأكثرية .

 
فنحن بالسليقة نميل للتماثل، نقتبس مشاعرالآخرين، نحاكيهم، غضبوا..نثور، ضحكوا..نقهقه، تثاءبوا..ننام، و إن أجرموا نتفاكه بالإثم و نحلله خشية الإقصاء.

فبداهةً يعمل العقل فيبصر الصواب جلياً و لكن حال اتفاق الجمهور على الخطأ، يصعب الإختلاف، فنرمم أخلاقنا و خلقتنا نشبهاً بالنموذج المعتل لقبوله في أوساطنا بل و من الممكن أن نلبسه مسوح الحكمة و عباءة الدين .
و قد أشار  د.عدنان ابراهيم إلى أن أن الالتصاق الزائد بالنمط الجمعي يلصقنا بذواتنا الفردية العرقية، المذهبية، الطائفية فيجعلنا كمن يختبئ وراء كفه، فيغيب العالم عن ناظريه.

 
فالموروثات مؤثرات عتية تُعرقل تحررنا الفكري والشعوري ما يدفعنا لخيانة قناعاتنا، لإثبات أن إنسجامنا مع الأكثرية يضاهي الهارومني الحديث بين موسيقى البلوز و الموسيقى العربية.

 
فقط الباحث عن الحق يعي دور إعمال العقل و يدرك تأكيد ديننا على مسؤليتنا في إنتخاب خيارتنا، فالأبائية و المصالح و الجمهور لن يُعضدونا كحجج و لن يُقبَلوا كمعاذير نُلقيها أمام الله.كما اكد د عدنان.

 و رغم صعوبة الخروج من الصندوق، يظل الأمل في إعمال العقل معولاً في الإسترشاد لمعرفة كيف نعير، نروز و نختار.
فشتان بين إيمان وراثي و آخر بإختيار حر من رقابة المجتمع و تبعية الأجداد. و لقد شبه د.عدنان الإختيار الحر بالسقوط الحر للأجسام بعيداً عن أثر الضغط و الحرارة، كذلك فإن هذا الاختيار الحر قادر على التحرر من ضغوط المجتمع، القانون و الأهواء ليهدينا إيماناً خالصاً، كالثمار العضوية الغير مسرطنة، عوضاً عن محكاه إيمان جماعي معدٍ و معتل ، هو في جوهره إيمان أفراد بعقول أفراد، سلموهم عناء التفكير نيابة عنهم، فوقعوا في شرك محاكاه الثِقاة حتى لو جدفوا، أشركوا أو تطيروا.

 
هناك أمم يُريعها مقص مفتوح بالبيت و أخرى تتيمن بتنميل اليد في استدعاء المال أو تتشاءم من رؤية قطة سوداء، لإستعاضتهم بموروثهم من التُراهات عن العقل، و لسان حالهم يصرخ:” تراهة في الموروث خير من حقائق في العقل”.
فتبنيهم لمعتقدات منسوبة للجمع شككت في ثقتهم في نسب بنات أفكارهم و أبناء إدراكهم لأنهم سَلموا بعقم عقولهم. فقد قر في وجداننا مُسَلَمة أن التقوى تتنافى مع الفكر، ما حلل زندقة العقول و الاستكانة لتفكير الآخرين عنا.

 
و أذكر يوم عادت صغيرتي من المدرسة حزينة، لرغبتها في مشاركة أقرانها في تزيين شجرة عيد الميلاد، عندما نهتها مدرسة الدين عن هذه الشنعاء بدعوى أن الاحتفال بمولد المسيح كفر.
فتبلبلت الصغيرة لشعورها أن هناك من يحضها على كراهية من تحب بحجة الضغينة المقدسة للآخر! ما دفعني لسؤال أبنتي:
:أولو أكلت مدرستك هذه .. أتشبعين أنت؟
قالت: كيف؟ لا.. لا
فسألتها: أولو شربت هي، أترتوين أو لو أكتست، أتُستَرين؟ 
فصمتت برهة ثم هزت رأسها نافية.
 فسألتها: إذن لماذا حينما تفكر هي، تقتنعين أنت مستسلمة؟
لم تعطيها الوكالة بالتفكير نيابة عنك؟

 
 أمثال تلك المدرسة ممن يبخون سموم الكراهية المقدسة في قلوب الأطفال، يحرمون أنفسهم من مساحة التفكير، لأن النمط النصوصي و الترجمة الجامدة اللا مقاصدية لجوهر الدين أنستها أنها – و أعني المدرسة- قد حضرت عيد ميلاد تلميذها الهندي و هو يتبع الديانة البوذية!

 
أفحلال أن تحتفل بالبوذي، و حرام تهنئة المحتفلين بمولد رسول ابن قديسة!
إن أمثال تلك السيدة يهنئون أزواجهم و رؤسائهم و حمواتهم  بأعياد ميلادهم، و يُقصونَ من لم يعيد عليهم في يوم مولدهم هم ، أما من يجرؤ على الاحتفال بعيد ميلاد المسيح فهو صاحب بدعة، و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار.
في النهاية، لا أري سوى التفقه بالعقل و القلب معاً، مع الانسحاب المجتمعي المؤقت للنأي عن المؤثرات الجمعية ثم العودة بإيمان حر لا إيمان القطيع.

داليا الحديدي
كاتبة مصرية

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان