فاطمة المهدي تكتب: متلازمة الحب والألم

الألم، ذاك الذى لم أعد أقرؤه بين سطور الروايات وفى خيالات الكتاب فقط. بل صارت حروفه مخطوطة بين سطور حياة البشر.. يتبع.

 

الألم، ذاك الذى لم أعد أقرؤه بين سطور الروايات وفى خيالات الكتاب فقط.. بل صارت حروفه مخطوطة بين سطور حياة البشر لا سيما المتزوجين منهم.

صار ألم الانفصال برصاصة الخيانة شبحا يطارد حياة الزوجين حيث يقرر أحدهما أن يطلقها من جعبته على جرحه أو جرح شريكه ليبتره ظنا منه أن الحياة ببتر الجرح خيرا من معالجته.

يأتيني الكثير من القصص التي تعانى كثيرا فى حياتها الزوجية. يعيشان سويا فى بيت واحد ولا يجمعهما سوى شكل عائلي أو ورقة خطها مأذون لم يكن يعلم يوما أنه سيخط بيده أيضا ورقة أخرى.

شريك قرر فجأة بعد عدة سنوات من الزواج أن يتخلى عن شريكه لأسباب واهية فخاط بأنامله كلمة النهاية على حياة كانت تحمل أجمل بداية.

شريك آخر سلك طريقا يدعى أنه الأسهل، وبدلا من أن يقوم بالحل تعرف على آخر وآخر وآخر حتى يشفى، لكن هيهات.

ويلات وعذابات يقوم بحياكتها أحد الطرفين أو كلاهما لتتحول حياة كلا منهما إلى معاناة تلو معاناة.

 

ألم عميق مع حب أعمق، كيف بالله؟كيف يجتمع الألم والحب فى قلب واحد تجاه شخص واحد!

تعددت الأسباب والموت واحد، لأن النهاية ما هي سوى حروف معلوم بدايتها ونهايتها.

لم أعد أندهش أو أتعجب. صدقا لم أعد أرفع حاجبي أو أمصّ شفاهي أو أسهر الليل أفكر فى هذا أو فى محنة ذاك. لم يعد يدهشني خيانة أو انفصال أو ألم كما كان يحدث لي من قبل. وصرت أتعجب لذاتي البشرية. كيف وصلت إلى تلك المرحلة من التعايش مع آلام كل هؤلاء!

كيف أمارس حياتي وهواياتي. أتابع عملي، زوجي، أبنائي، كيف أندمج فى الحياة بعدما أسمع صرير الألم الذى يكتبه أحدهما على قلب الآخر. ووجدت نفسى تجيبني أنني قد اعتدت سماع الألم. اعتدت كلمة خيانة. حب آخر. علاقات غير مباحة. احتياجات غير ملباة. عدم فهم المعنى الحقيقي للزواج. عناد وغضب. تكبر وعدم اعتراف بالأخطاء.. عادات وتقاليد تنافى الشرع.. زوجة تضحى.. زوج جاني.. زوجة ظالمة.. زوج ضحية.. أبناء لا يعلمون شيئا من الحياة سوى منزل تم هدمه وأب يرفض التنازل وأم صارت تتألم.

ورغم اعتيادي على كل ذلك وتفسيري له بعقلي الواعي تفسيرا منطقيا وتوقفي عن الاندهاش تماما، إلا أنني فجأة ودون سابق إنذار وجدتني لازلت رغما عنى أندهش. لقد تحرك شيء ما فى داخلي.

ألم عميق مع حب أعمق، كيف بالله؟

كيف يجتمع الألم والحب فى قلب واحد تجاه شخص واحد!

سائلتها وهي التي أتتني باكية ويكاد عقلها يطير وكلماتها لم أعد اميزها من نحيب بكائها:

–         فلتهدأي يا عزيزتي ولتقصى على ما حدث.

أجابت وكأن ملك الموت ينزع الروح عنها: يخونني.

– ماذا تعنين بالخيانة؟

– وجدت رسائله إليها.

– إذن فهو يخونك عبر الإنترنت.

-لا.. يذهب إليها.

– وكيف علمت؟

– واجهته.

ساد الصمت طويلا فى الغرفة حتى أحسست أن علم الكلام قد تم وأده فلم تعد هناك كلمات تسع المشاعر و لا الآلام الجاثمة فوق صدرها.

بكت كثيرا. بكت حتى أوحى لي ألمها أن ضلوعها قد تنفلق فتشق عنها صدرها. بكت حتى لم يتبق شيئا لم تطله دموعها.. بل بكت حتى جفت العبرات منها دونا عنها.

ثم أردفت: أشعر أن خنجرا يشق قلبي وأن دقاتي لم تعد مستقرة. لم أعد أنام. لا أتناول الطعام إلا كأس ماء وبضع تمرات. لم أتخيل أني رخيصة فى قلبه لهذه الدرجة. ورغم خيالي الجامح إلا أنني لم أتخيل يوما ما قام به ولا حتى فى أحلامي. كأس الخيانة يكاد يعصف بقلبي.

حاولت أن تكبح جماح دموعها لكنني بادرتها:

–  حسنا ..لا تمنعي نفسك من البكاء. فالدموع علاج لا نزال نجهل أهميته.

ثم عاد الصمت ليقرع بابها مرة أخرى.

قاطعت صمتها بسؤالي:

– وماذا فعلت؟

– فيم؟

– بعد أن واجهته بما فعل.

– وماذا تريدين منى أن أفعل؟

– لا أدرى. أنت من يقرر لا أنا.

– لا أستطيع طلب الطلاق.

– أقدر ذلك.

– ليس بسبب الأبناء.

– ومن قال أن الطلاق هو سيد الموقف؟

-حقا! ظننت أنك ستشجعيني عليه.

قالتها ونبرات السعادة تعزف على أوتار قلبها وكأنها كانت حبيسة فحررتها ظنا منها أنني سأحثها على الطلاق. ثم أكملت:

– لكنني لا أعلم كيف أتعايش مع ما فعل. ولا زال يفعل.

– إذن؟

-أعلم أننا لن نعود مثل سابق عهدنا. خاصة وأنه لا يعترف بخطئه. ويكرر دوما عبارته الكريهة: “أنا رجل. أفعل ما يحلو لي”.

– حسنا.

 شخصية متزنة عاقلة لا يشوب عقلها مس من الجنون ولا وهم من الأوهام.. شهادة جامعية مميزة.. ربة بيت من الدرجة الأولى.. بنون وبنات.. عمل مرموق.. زوجة صالحة وأم ناجحة.. تحملت فشله وزلاته كما كانت بجواره فى أوقات نجاحاته. 

لم تدعني أكمل عبارتي حيث أقحمت حروفها لتقنعني بشيء ما:

– أتعلمين. هو طيب القلب، كريم، ويحبني. بل يكاد يجن من عدم وجودي إلى جواره. كذلك هو أب ناجح. لكن الصراع بيني وبين نفسى يكاد يأكلني.

-وما الذى تنوين فعله إذن؟ لن تعودي معه كما كنت. ولا تريدين أبغض الحلال. ما الحل فى رأيك؟

حدقت فى مزهرية كانت تعلو سطح المكتب، ثم ألقت فى وجهى قنبلتها الموقوتة:

– أحبه.

حروف قليلة ذات شأن كبير قد لا تجتمع فى نفس المكان مع كلمة قد بدأت بحرف الخاء وانتهت بتاء مربوطة.

– نعم. رغم خيانته فإنني مازلت أحبه.

قالتها ويداها ترتعشان وعيناها لا تكاد تبرح نافذة صغيرة فى الغرفة يطل منها بصيص من شعاع الشمس وكأنه أملها الذى تحاول التشبث به.

– لا أحبه فقط، بل أعشق تُرْابَ قدميه.

جاء الصمت ضيفا على عقلي أنا فى هذه المرة فكبلني وأربكني، لم أدر ماذا أقول لها، امرأة ذات جمال أخاذ، قوام لا يختلف عليه أحد، عائلة كبيرة، أخلاق والتزام، شخصية متزنة عاقلة لا يشوب عقلها مس من الجنون ولا وهم من الأوهام، شهادة جامعية مميزة، ربة بيت من الدرجة الأولى، بنون وبنات، عمل مرموق، زوجة صالحة وأم ناجحة، تحملت فشله وزلاته كما كانت بجواره فى أوقات نجاحاته.

أعلم أن المنطق لا مكان له هنا.. لكننا إن تخلينا عنه افتراضا فماذا عن شرع الله!

تأت الخيانة هنا لتجور على كل شيء فتقتلع اللون الأخضر من جذوره ليصبح سوادا وحداد قد لا ينتهى.

تمر على ذاكرتي صور زوجات كثيرات قد تعرضن لنفس الألم لكنها قد لا تنفصل عنه بسبب الأبناء أو عدم قدرتها على تحمل نفقاتها أو.. أو.. أو.

تعترض الزوجة فى البداية.. تشجب.. تندد.. بل قد تصرخ فى وجهه أنها تريد الطلاق رغم عدم قدرتها على اتخاذ قرار كهذا.. فى بعض الاوقات يقوم الزوج بمسايسة الأمور والتهدئة من روعها

مسببات كثيرة تجعل الزوجة عاجزة عن إدارة شؤون حياتها وحياة أبنائها.. جميعها أسباب منطقية.. مفسرة ومفهومة للعقل البشرى لكن مع تلك الزوجة ومثيلاتها ممن يتمكن الحب من قلوبهن حتى أنه قد يودى بحياتهن لا أجد تفسيرا منطقيا.. فكيف يجتمع المنطق مع المشاعر!

لا أعرض القضية لأبحث عن إجابات ولا عن حلول، إنما أعرضها لأشرح فكرة التناقض: “متلازمة الحب والألم”.

كيف يجتمع فى قلب واحد حب كبير مع ألم عظيم من نفس الشخص، فالنفس تنفر ممن يؤذيها، وهذا ما تعودنا عليه،ولم نعتد أن تحب النفس قاتلها أو جلادها.

كيف؟

كيف يستمر الحب فى قلبها بعد أن قام بخيانتها وإيذائها؟

ما الذى يحدث للزوجة التي يقوم زوجها بإيذائها بالخيانة أو غيرها، ثم يتمسك قلبها به تمسكا شديدا رغم الألم اليومي الذى تتعرض له؟

تعترض الزوجة فى البداية، تشجب، تندد، بل قد تصرخ فى وجهه أنها تريد الطلاق رغم عدم قدرتها على اتخاذ قرار كهذا، فى بعض الاوقات يقوم الزوج بمسايسة الأمور والتهدئة من روعها وطمأنتها بل واحتضانها ليقوم بامتصاص غضبها، وقد يبكى بين يديها راجيا مسامحته، وأنه لم يحب ولن يحب غيرها، وأن ما قام به هو زلة لن يعود إليها، وأنه يحتاج إليها لأنها ليست زوجته فحسب، بل صديقته وعشيقته.

تتعاطف معه الزوجة بدورها فور تقديمه فروض الولاء والطاعة، وأي موقف صغير، أو كلمة ، أو احتضان بين يديه قد ينسيها ما يفعله، بل تلتمس له الأعذار فيما فعل. ليس هذا فحسب، بل إنها قد تتهم نفسها حد الجلد، نعم: تقوم بجلد ذاتها وأنها هي مَن دفعه إلى ذلك بجهلها: ثم ما تلبث أن تسامحه مصدقة وعوده التي ينكثها فى كل مرة: ورغم أن عقلها لا يكاد يصدق أنه سينأى عما يفعل: فإن قلبها يصارعه لأنه لا يريد أن يرى وإن رأى فإنه لا يريد أن يصدق، لأن الحب قد تمكن من قلبها حتى صار المحبوب ملاكا لا يخطئ، ولا يريد حتى أن يتقبل الفكرة الأخرى التي تخبرها أنه يقوم بإيلامها أو إيذائها، فتظل فى تلك الدائرة التي لا تنتهى إلى أن يتوب الزوج أو أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.

إذن:ما الذى يجب عليها فعله؟ هل تطلب الطلاق. أم تظل كما هي؟ لا أستطيع فى الحقيقة الإجابة على ذلك السؤال شديد الحساسية لأن كل حالة ولها ظروفها ولم ولن أدفع زوجة يوما إلى اتخاذ قرار الطلاق، بل هي من يجب أن تحدد وتختار ولست أنا. لكن ما أستطيع قوله من منبري هذا هو كلمة فى أذن كل زوج يقوم بهتك حرمة من حرمات الله ويقوم كذلك بظلم زوجته وتعريضها للفتنة فى دينها:

“اتق الله أيها الزوج الكريم، فأنت ستقف بين يديه غدا وستُسأل عن نفسك وعمّن تعول”.

وأهمس لك بقول الله تعالى: “والتفت الساق بالساق. إلى ربك يومئذ المساق”.

حاول أن تحافظ يا صديقي العزيز على زوجك وأبنائك، ونفسك التي بين أضلعك حتى تلقى الله وقد حفظت الأمانة التي بين يديك.

حفظك الله من كل سوء وحفظ أهل بيتك و بارك لك فيهم.

فاطمة المهدي

مستشارة أسرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان