تعاني الحركات الإسلامية أحيانا مما تعاني منه المؤسسات الحكومية و السلطوية من تدوير النخب السياسية في المواقع القيادية العليا. يتبع

من الأمراض الشائعة لدى البشر مع تقدم العمر مرض التكلس calcification و هو جفاف أو تلف يصيب الأنسجة الغضروفية و المفاصل نتيجة ترسب الكالسيوم، و يحتل هذا المرض المرتبة الثانية في لائحة الأمراض التي تعيق الحركة بعد أمراض القلب و الشرايين، و رغم أن الطب عجز عن شفائه تماما إلا أنه تم اكتشاف أدوية تساعد في استعادة الحركة الطبيعية للمفصل المصاب بالتكلس قبل اللجوء الى التدخل الجراحي باستبدال المفصل المصاب تماما.
و يبدو أن هذه الأمراض العضوية انتقلت من البشر و أجسامهم إلى حياتهم و أعمالهم و يبدو أن الحركات الإسلامية والدعوية من الأوساط التي تعاني من هذا المرض متمثلا بشيخوخة و كبر أغلب الصف القيادي الذي يستأثر بأغلب المواقع القيادية ومواقع صنع القرار مع استثناء العنصر الشبابي المحرك و تأخيره الى الصفوف الخلفية مما أدى إلى بحث الشباب المبدع المنطلق عن محاضن أخرى تفهم لغتهم وتقدم وجودهم و تحتضن تحفزهم و توظف طاقاتهم في غير السمع و الطاعة فقط!
و أعتقد أن بيان أهمية الشباب و النساء وغيرهم من الطوائف المهمشة في الحركات الإسلامية أمر تجاوزناه فالزمن ما عاد يسمح بالبقاء في خانة التنظير والأقوال و اقناع المخالفين والمتشككين ببداهة ورجاحة الأمر كتابا وسنة فهذا أمر أنجزناه و كُتب فيه في سنوات مضت و الآن جاء دور العمل و وضع الكلام موضع التنفيذ بالذات أن الواقع أملى و فرض وجودهم الفعال دون استئذان او انتظار.
إلا أن الحركات الإسلامية في بعض الدول المؤهلة للتغيير و في دول أخرى استقرت أمور ثورتها و انتقلت لبناء الدولة ما زالت تنحي الشباب و النساء عن مواقع القيادة و ليس لديها خطة استراتيجية في صناعة القيادات و إحلال العناصر الشابة بسهولة و سلاسة و تدرج دون إحداث فجوة مكان القيادات التي تقدم بها السن و وجب تنحيها طواعية لتكون في مجلس حكماء و مستشاري الحركة حتى اذا ما جاء قدر الله على العباد تجنبنا مشكلة الفراغ القيادي و فراغ السلطة بسبب عدم تأهيل الصف الثاني لاستلام الموقع، و المشكلة أن التأهيل إن وجد يكون جزئيا غير مكتمل لا يوفر احتياجات و مهارات منصب القيادة العليا!
كما تعاني الحركات الإسلامية أحيانا مما تعاني منه المؤسسات الحكومية و السلطوية من تدوير النخب السياسية في المواقع القيادية العليا فالأسماء و الشخصيات ذاتها تنتقل بين موقع و آخر، فإذا نظر الشباب الى أعلى لم يجدوا شخصية و لا خطابا يمثلهم و أن دورهم ينحصر في التنفيذ لخطط رسمها غيرهم مما أدى الى تسرب الكثير من الشباب الأفذاذ الذين تربوا في المحاضن الإسلامية و لم يجدوا من يحتضنهم بعد أن كبرت مداركهم و طاقاتهم و أحلامهم و مشاريعهم !
و قد يقول قائل إن سن الشباب مختلف عليه مما يؤهل الخمسيني و الستيني أن يكون شابا و يستمر لسنوات في موقع القيادة دون تغيير غير أن معطيات و متطلبات العصر التقني و الرقمي و التكنولوجي تقتضي بالضرورة تقديم الشباب الشباب في ذروة و أوج شبابهم العشريني و الثلاثيني و الأربعيني عملا باكتمال الرشد و القوة الى المواقع المتقدمة وعدم الاكتفاء بهم كرديف قوي و في ذلك يؤكد الفيلسوف الإسلامي الداعية محمد أحمد الراشد في كتابه تنظير التغيير أن الشباب، الرقمي تحديدا بوصفه الجيل الجديد، هم رأس الانتفاضة في ثورات التغيير من خلال اندفاعهم الذاتي و يلوم الحركات الاسلامية لعجزها على صناعة و تربية مثل هذا الجيل و يضيف أن “الأمر سيكون أكثر اتقانا و عمقا و نحوز رضا الشباب و طاعتهم و تكميلهم لجيل الكهول و المخضرمين في انسياق رائق و نعومة و لأغراهم الأمر أن يلبثوا في الصف و لكن شاء الله أن تستقل عن الدعوة عناصر هي في غاية الفاعلية و الذكاء و الجرأة و المبادرة الجسورة”
و هذا لا يعني أن ندفع بشباب غير مؤهل و إنما يكون الاختيار للأكفاء، بناء على أسس و معايير تتجاوز التزكية الشخصية، ممن لديهم الأرضية العلمية و الدعوية و الخبرة و المهارة و الدافعية و القبول، و العمل بذاته أكبر مؤهل و الخبرة التي تُكتسب في الميدان لا تُكتسب بقراءة آلاف الكتب و الاستماع للمنظرين و لا يمكن التذرع بعدم استكمال الشباب لشروط الكفاية فهذا قدح في القيادات بالدرجة الأولى التي لم تؤهل غيرها و كأن المناصب و الكراسي تدوم في الحركة الإسلامية كما تدوم في غيرها! و إنما يكون التأهيل استباقيا و حاليا فيتعلم الشباب العلم و العمل معا.
و هذا لا يعني بحال من الأحوال وضع القيادات و شيوخ الدعوة على الرف فليس من طبيعة التربية في الحركات الإسلامية و لا من طبيعة أفرادها العقوق و إهمال تاريخ و حاضر العاملين الذين ضحوا بالدم و العرق و الجهد و المال في سبيل أن تصل الدعوة الى الشباب و لها من الرصيد الخير في نفوس الناس ليبنوا عليه و يكملوا و لكن أدوارهم ستختلف و تكون في باب الاستشارة و التقييم و العودة الى التربية التي يحتاجها الشباب حتى يتوازن أداءهم.
و كما أننا ننهى عن الكبر و تضخم الذات الشبابية و عقوق الكبار فإننا ننهى كذلك عن استعقاق الشباب كما ورد في الحديث “أعينوا أولادكم على البر من شاء استخرج العقوق من ولده” و رحم الله أبا أو قائدا أو رمزا أعان أفراده على طاعته و في ذلك يقول الراشد في كتابه منهجية التربية “إذا لم تتحدث مع الجيل الإسلامي الصاعد بنفس اللغة العصرية التي يستخدمونها فسيقاطعك و ينشغل عنك، اقسم بالله أن التطور واجب يا من لا تقتنع الا بقسم”.
كما أن على الشباب أن لا يغتروا بقدرتهم و لا يظنوا أن جهاز كمبيوتر و موقعا اجتماعيا جاءا بما لم يأت به الأولون من الثورة و التغيير , فقد جاء جهد الشباب و إضافتهم مكملا لسنوات من غرس الأوائل و كانوا هم الفتيل الذي أشعل وقود التنوير و الإصلاح الذي وفره عكاشات الحركة الإسلامية الذين سبقوا الشباب كما سبق من قبلهم عكاشة بن محصن الصحابي كثير من الصحابة في دخول الجنة، و فضل من سبق لا يُنكر كما هو فضل من صدق
و التواضع و خفض الجناح و الاستيعاب سمات لا بد أن يتحلى بها الشيب و الشباب حتى تسير سفينة التغيير و لا تظل في المربع الأول تتساءل و توثق و تكتب و تنظر لأهمية دمج الشباب و النساء في العمل الإسلامي!
إن معالجة المرض في المراحل الأولى من التكلس توفر المعاناة و تحرك المياه الراكدة و تمكن الحركة أن تقطع سباقات تتابع ماراثونية بالاف الكيلومترات و مئات السنين و الراية تنتقل من ثقة الى ثقة الى ثقة، أما الإنفراد بفرد أو مجموعة و كأن الحركة الإسلامية غير ولادة سيفاقم المرض و لن نشعر الا و الناس يتسربون من بيننا و تتكلس المفاصل الدعوية عن الحركة و الفاعلية في هذه المرحلة المفصلية من حياة الأمة!
أصعب ما يمكن أن نسمعه عن الحركة الإسلامية من أفرادها شكواهم أن الحركة لم تعد ترضي و تلبي طموحاتهم و أنهم لا يجدون أنفسهم في صفوفها! و بعض الشكوى صحيحة و كثير من الدواء بأيدينا.
د.ديمة طارق طهبوب
كاتبة وناشطة إعلامية أردنية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
