إذاً ليلةٌ باردة هذا المساء .. تناولت الشاي وحدي فيها ككل مساء؛ لم يراود خيالي يوماً أن يصبح كأس الشاي نعمة كبرى في لحظة ما.. يتبع
![]() |
| عمر فياض-إعلامي مصري |
إذاً ليلةٌ باردة هذا المساء .. تناولت الشاي وحدي فيها ككل مساء؛ لم يراود خيالي يوماً أن يصبح كأس الشاي نعمة كبرى في لحظة ما ..
كنت ممسكا بهاتفي ارفع صورةً ما على إنستغرام أو مقطعاً تَصحَبهُ بعض الموسيقى وانتظر ما يأتيني من بعض التعليقات والإعجابات من الأحباب والأصدقاء .. ثم انتقلت إلى صفحات الفيسبوك أمر سريعاً قبل أن أنهي كأس الشاي لأنام في دفئ وهدوء..
بؤس هذا العالم كان في انتظاري في أول ما يظهر لي هنا … إنها بعض صور أخوة من سوريا ماتوا جوعاً وبردا بعد قهر وكبت وخذلان ..
أيقنت حينها أن رشفة واحدة من كأس الشاي باتت نعمة هذا الزمان .. ولم أبالي إن كان كأسا بصحبة أحبتي وأهلي أم لا .. فهو بذاته أضحى حياة ..
أما الهرة المذكورة أعلاه فلكم قصتها هي الأخرى ..
أتذكرون ذلك الرجل المسكين منذ شهور مضت صارخا بفرحة “يا أختي تعي شوفي يا أختي ماني مصدق” فلم يعد من بَأس الرجل ما يكفيه ليخفي فرحته بكبرياء أمام بعض أكياس الشاي والسكر والمعكرونة وبعض الطحين … مهللاً ومنادياً يا عرب جيراني لا يقدرون شراء رغيف خبز حتى ..
يبدوا أن ذلك الفيديو منذ شهور جاء من الله لينبه الى ما هو أسوأ إنسانيا ولا يخطر على عقلنا ربما .. نعم لا يمكن يا أخي القارئ أن يخطر ببالك أنه في إحدى بلاد العرب يتقاتل الناس على ملاحقة هرة نحيلة لم تجد من بقايا قمامتهم ما تقتاته فتكون -هي الجائعة -قوت أهل القرية .. ما أصعبه من مشهد للعجوز بجانب الرضيع يتشاركان ذات الملامح ؛ ملامح المجاعة ؛ جلد على عظم هو ما تبقى من أهل مضايا والزبداني ..
لا أدري كيف يمكن أن أصف ذلك الشعور حقاً .. ولكن يكفيني أن أجمع بقاياي كإنسان أمام ضميري وأنا انظر للصور، ومن خلف هاتفي كأس الشاي ينثر بخاره كما أضحت أحلام أهل الجوع .. نعم .. ها أنا أمسك بجهازي اللوحي الحديث بعد أن أنهيت كأس الشاي الدافئ متكأ على سريري ألعن جلادي هذه الأمة .. من خلدوا إلى نومهم وأَسِرَتهم الحريرية تأتي مقابل سباق أطفال تجاه صندوق قمامة، لعل فائزهم يعثر على كسرة خبز عفنة تُسكت جوع جوفه ولو ثوان هي في خياله أزمان طوال؛ أو ربما خلف هرة لعنها الحظ في زمانها فولدت في عهد يحكم فيه الأسد بلاد الشام سوريا .. فهذه كلمات رسمها بخار كأس الشاي القَيِّمْ وروح هريرة فدت بروحها أوطانا وشاما …
عمر فياض
إعلامي مصري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

